النوبة ماذا تعني وحكاية تهجير أهالي النوبة وكيف يتم انتهاك الدستور بقرار 444 وحكاية فساد أراضي مشروع توشكى وماذا يريد أهالي النوبة من الحكومة وسبب قافلة العودة النوبية

مملكة الذهب ” نوب ” كما كان يطلق الفراعنة  علی هذا المعدن النفيث، تلك الأرض التي تربط مصر بجذورها الأفريقية، فقد عانى أهل تلك المنطقة ونالهم ما نالهم من التهميش والتشويه والتمييز الطبقي على مر العصور، وبعد كل ما عانوه منذ بناء خزان أسوان وهم معذبون بغرق الأرض والتهجير القسري وخسارة أراضيهم، حتی تم بناء السد العالي الذي قضي على أراضي النوبيين وأغرقها كلها، وأصبحوا منذ هذا اليوم مهجرين في أوطانهم، ثم قرر أهل النوبة أن لا يصمتوا على ضياع حقوقهم أخيرا، وفي إطار الذكرى ال 52 للتهجير القسري للنوبيين، فقد تم تهجير آخر نوبي من أراضي النوبة التاريخية في 18 من شهر أبريل عام 1964 من أجل بناء السد العالى، جمع النوبيين أنفسهم وركبوا عدد من الميكروباصات والسيارات تحت عنوان ” حملة طرق الأبواب لمنع بيع الأراضي النوبية في المزاد العلني ” أو مثلما ينطقها النوبيين ” أرمنا فو رقنري نوبية “، استطاعت القافلة جمع عدد كبير من أهالي النوبة بعد جولتهم في حوالي 44 قرية نوبية، وقطعوا طريق سكة حديد القاهرة – أسوان، وطريق أبو سمبل الدولي وطريق آخر أمام قرية الكرور، لكن قابلتهم قوات الشرطة والأمن المركزي واطلقوا عليهم الرصاص الحي، نتج عنه إصابة شابين إثنين من شباب النوبة، وقرر حينها رئيس الإتحاد النوبي ” محمد عزمي ” التصعيد على المستوى السياسي ودعم هذا القرار بعدد من نواب مجلس النواب ومعهم محافظ أسوان، وتم الإتفاق على إجتماع يضم كل شيوخ قبائل النوبة لبحث آلية ضد قرار الحكومة بطرح أراضي النوبة ضمن مشروع المليون ونصف فدان.%d9%82%d8%a7%d9%81%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%88%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%a8%d9%8a%d8%a9%d9%84%d8%a7-%d9%84%d8%a8%d9%8a%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%a8%d8%a9

بداية حكاية تهجير أهالي النوبة:

بدأت أول هجرة للنوبيين من الأراضي التاريخية للنوبة في العام 1902 عند بناء خزان أسوان بسبب ارتفاع منسوب المياه خلف الخزان مما تسبب في غرق حوالي 10 قرى نوبية، ثم تم اتخاذ قرار تعلية الخزان وهذا تسبب في غرق حوالي 8 قري آخري وهم ” المحرقة، السيالة، العلاقي، المضيق، وادي العرب، السبوع، شاترمة، قورتة “، حتى جاء عام 1933 عندما قررت الحكومة تعلية الخزان مرة أخرى مما تسبب في غرق 10 قرى أخرى منهم قرى ” أبريم، جزيرة أبريم، الديوان، الريقة والمالكي وغيرها من القرى النوبية “، حتي جاءت الطامة الكبرى على أهالي النوبة بعد قرار بناء السد العالي، وذلك تسبب في ترحيل كل أهالي النوبة من أراضي النوبة التاريخية وذلك كان في عام 1963، حيث تم ترحيل كل السكان إلى أراضي هضبة كوم أمبو.

كفالة الدستور لحقوق النوبيين في العودة لأراضيهم التاريخية:

ومنذ هذا الوقت ويعاني النوبيين من التهجير والظلم والتهميش من الدولة في كل القوانين، حتي جاء دستور 2014 في المادة رقم 236 ” تكفل الدولة وضع تنفيذ خطة للتنمية الإقتصادية، والعمرانية الشاملة للمناطق الحدودية والمحرومة، ومنها الصعيد وسيناء ومطروح ومناطق النوبة، وذلك بمشاركة أهلها في مشروعات التنمية وفي أولوية الاستفادة منها، مع مراعاة الأنماط الثقافية والبيئية للمجتمع المحلي، خلال 10 سنوات من تاريخ العمل بهذا الدستور، وذلك على النحو الذي ينظمه القانون، وتعمل الدولة على وضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلى مناطقهم الأصلية وتنميتها خلال 10 سنوات، وذلك على النحو الذي ينظمه القانون”، وبهذه المادة فقد كفل الدستور الذي تمت الموافقة عليه من قبل الشعب في استفتاء رسمي، حقوق أهل النوبة وسكانها الأصليبن في العودة لأراضيهم التاريخية، كما ألزم الدولة بتنمية هذه المناطق خلال 10 سنوات.

القرار 444 وانتهاك مواد الدستور:

بالرغم من كفالة الدستور لحقوق النوبيين في العودة لأراضيهم التاريخية وتمسك النوبيين بهذا الحلم حتى أنهم أطلقوا أسماء قراهم القديمة على القرى التي استوطنوها بعد التهجير إلا أن سياسات الحكومة المصرية تبرز عدم وجود ارادة سياسية لحل هذا الملف العالق، حيث أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي القرار 444 لسنة 2014، وهو يتعلق  بإعادة ترسيم الحدود ويقضي باعتبار 110 كيلو متر من شرق بحيرة ناصر و25 ميلو متر من غرب البحيرة، مما يعني وجود حوالي 18 قرية نوبية من الأراضي التي يفترض أن يعود إليها النوبيين بمقتضي مواد الدستور، قد دخلت في إطار الحدود العسكرية وهذا يعني عدم السماح بالتنقل أو السكن في هذه الأماكن، وبعد عرض هذا القرار على مجلس النواب المصري وتم اقراره كقانون ساري التنفيذ، ويذكر أن هذا القانون مثير للجدل وغير منطقي بالنسبة للأمن في مصر حيث حدد القانون 5 كيلو متر فقط كحدود عسكرية في شمال شرق مصر في المنطقة على حدود إسرائيل، لكنه حدد في الحدود الجنوبية 110 كيلو متر شرق البحيرة و 25 كيلو متر غرب البحيرة، وكأن حدود مصر الجنوبية أكثر خطرا من الحدود مع إسرائيل، ويعتبر هذا القانون انتهاكا صارخا لمواد الدستور التي تكفل حقوق النوبة في العودة إلى أراضيهم التاريخية، لأنه يقتطع منها مساحة كبيرة بداية من قرية العلاقي حتى قرية أدندان.

حكاية توشكى والفساد في بيع أراضي الدولة:

مشاريع النوبة، أثبتت الأيام فشل ذريع لكل مشروع تم تنفيذه في بلاد النوبة بدون التنسيق مع أهالي النوبة على الرغم من كل الجهود التي تم بذلها لنجاح هذه المشروعات، ويأتي على رأسها مشروع توشكى، حيث تم انشاء هذا المشروع في منطقة تسمى المفيض وكان الهدف منه خلق دلتا جديدة جنوب الصحراء الغربية في موازاة نهر النيل، وزيادة مساحة 540 ألف فدان للأراضي القابلة للزراعة، وتم حفر ترعة الشيخ زايد بطول 50 كيلو متر لرى هذه هذه الأراضي بماء النيل، وتم انشاء محطة رفع عملاقة أطلق عليها محطة مبارك حتي يتم من خلالها ضخ المياه من النيل إلى ترعة الشيخ زايد لرى أرض توشكى، وكان الهدف من مشروع توشكى هو تقليل الفجوة الغذائية وزيادة الصادرات الزراعية وتوفير فرص عمل للشباب، واستجاب العديد من الشباب خصوصا من الصعيد وذهبوا لاستصلاح الصحراء وتعمير توشكى وزراعتها، لكن ما لم يكن في الحسبان هو الصعوبات الكبيرة في التنقل التي واجهوها والتي قد تصل إلي 500 كيلو متر في الصحراء، مما تسبب في افشال المشروع تماما، حينها قرر الرئيس السابق محمد حسني مبارك أن يعرض مساحات ضخمة من الأراضي في توشكى للبيع، وفعلا تم بيع أغلب الأرض لرجال ٦عمال كبار في عدد من الدول العربية، وظهر الفساد واستشري في بيع هذه الأراضي حتي أصدر النائب العام المصري في 11 أبريل عام 2011 قرار بالتحفظ على أراضي تابعة لرجل الأعمال الأمير وليد بن طلال بعد التأكد من مخالفة عمليات البيع للقانون، كما تم اتخاذ قرار بإيقاف حق التملك للأجانب وتم فسخ جميع العقود بقضايا عديدة بعد ثورة يناير المجيدة في 2011، كل هذا الذي حدث كان من الممكن أن لا يحدث لو تم الإهتمام بأصحاب الأرض الحقيقيين وإعادة تمليكهم لأراضيهم هم أولي بها ويقدرون على زراعتها دون الوقوع في مشكلات بعد المسافة لأنها أرضهم في الأساس.

حكاية قافلة العودة النوبية:

في أواخر شهر أكتوبر المنقضي تم الإعلان عن هذه القافلة، وتم تحديد يوم 5 من شهر نوفمبر الجاري لخروجها، وهي قافلة من النوبيين قرروا العودة إلى أراضيهم التاريخية وذلك اعتراضا على قرار صادر عن وزارة الزراعة، لأن الوزارة قد طرحت 110 ألف فدان من الأراضي النوبية في منطقة توشكى وفورقندي للبيع بالمزاد العلني تبعا لتنفيذ مشروع المليون ونص فدان الذي أعلن عنه الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهي أراضي نوبية أصلا وينتظر النوبيين العودة إليها تبعا لمواد الدستور، فكيف يتم التعدي عليها بهذا الشكل وضمها لمشروع المليون ونصف فدان وهي أصلا أرض تابعة لمشروع إعادة توطين النوبيين، لهذا قرر النوبيين ممن رفضوا عرض أراضيهم للبيع في الخروج في قافلة للتعبير عن رفضهم البيع والمطالبة بتنفيذ مواد الدستور، لكن الأمن قطع عليهم الطريق كما يحدث في أي تحرك شعبي معارض لسياسات الحكومة، وتم منعهم من الوصول إلى موقع المشروع، فتحرك أفراد القافلة إلى مقر الإتحاد النوبي العام في محافظة أسوان وأعلنوا اعتصامهم أمامه، ممهلين الدولة فترة 3 أيام لتغيير كراسة الشروط الخاصة بالمشروع، ورفع مساحة ال 110 فدان المملوكة للنوبيين منها، وسرعة تنفيذ مادة القانون التي تحكم بإعادة توطين النوبيين في أراضيهم في فترة 10 سنوات تبدأ فور اقرار الدستور وهذا يعني أن هذه المهلة بدأت منذ عامين منذ 2014، وبعد مرور مهلة ال3 أيام في الإعتصام مع عدم وجود أي رد فعل من الدولة، إلا من تصريح شفهي من رئيس الجمهورية يقول فيه أن الأولوية في شراء الأراضي محل الخلاف تكون من نصيب النوبيين، اعتبر النوبيين هذا التصريح مكرر وغير جدي لأنهم سمعوه كثيرا منذ عصر مبارك، كما أنهم رفضوا شراء هذه الأراضي لأنها بالأصل ملكهم وقد خرجوا منهم لمدة محدودة وعند عودتهم إليها مطالبين بشرائها هل يعقل هذا؟؟.

قافلة العودة النوبية الثانية واعتداء قوات الشرطة عليها:

وعلى هذا الأساس تم الإتفاق على خروج القافلة مرة أخرى في 19 نوفمبر بلا عودة، وبالفعل خرجت القافلة لكن الشرطة منعتهم مرة أخري من الوصول إلى المشروع في تحدي صارخ للقانون، في حين صرح ” محمد عزمي ” رئيس الإتحاد النوبي العام، أن ” الداخلية والمخابرات مانعة تحريك قافلة العودة النوبية شاهرين الأسلحة…. ولما بنقول إن دة مش قانوني ردوا وقالوا دي قرارات جايلنا واعتبروها بلطجة ” %d8%aa%d8%b5%d8%b1%d9%8a%d8%ad%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%b9%d8%b2%d9%85%d9%8a%d9%82%d8%a7%d9%81%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%88%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d9%82%d8%b7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%b1%d9%8a%d9%82%d8%a7%d8%b9%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d9%85-%d9%82%d8%a7%d9%81%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%88%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%a8%d9%8a%d8%a9 %d8%a7%d8%b9%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d9%85-%d9%82%d8%a7%d9%81%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%88%d8%af%d8%a9%d9%82%d8%b7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%b1%d9%8a%d9%82-%d9%81%d9%8a-%d8%a3%d8%b3%d9%88%d8%a7%d9%86وبالفعل تم قطع طريق القافلة باستخدام المدرعات والأفراد المسلحين، مما دعا أعضاء القافلة أن يقطعوا الطريق ومنع مرور أي سيارات، ثم قرر الأمن استخدام سياسة تجويع المعتصمين، فوقف كمين من قوات الأمن المركزي قبل المنطقه التي يتواجد فيها أعضاء القافلة، وأصبح الوضع بالنسبة للقافلة هو وجود كمين أمامها يمنعها من المرور وكمين من الخلف يمنع وصول الطعام والشراب لهم، وقرر النوبيين الذين لم يخرجوا قي القافلة أن يخرجوا في مظاهرات صغيرة وقطعوا عدة طرق حيوية في أسوان للضغط على قوات الأمن لتفتح الطريق أمام القافلة حتي تستطيع اكمال طريقها أو خلف القافلة حتي يقدرون على إيصال الطعام والشراب للمعتصمين، فيما وصل وزير السياحة إلى أسوان كى يتفاوض مع القافلة لفتح الطريق والسماح بمرور الأتوبيسات السياحية على الأقل من وإلى أسوان، وسوف يجتمع الوزير مع بعض القيادات الجماهيرية في المحافظة حتى يستطيع التأثير على القافلة، كما سافرت وفود دعم للقافلة من القاهرة والإسكندرية لدعم أعضاء القافلة معنويا ومن المنتظر وصول أعداد من الدعم الأخرى، فماذا يضير الدولة حتي تعيد الأرض إلى أصحابها الأصليين وتنفيذ الدستور؟؟