نداء الحلوجي تكتب : ( بدن )
الكاتبة نداء الحلوجي

غربت الشمس لتوها ، واستعمرت الهواء نسمات خفيفة..
جلس كلاهما أمام بيتهما ذى الطابق الواحد وذاك الفراغ الواسع أمامه وقد أشعلا نيران تضخ دخانها ببطء وصوت سعيرها بخجل يثبت حضوره.

تكلمت في تيه: “أنا.. خايفة أموت”

لم ينظر لها وأكمل تنظيف المذياع العجوز في يده.

أكملت:”بس أنا مش خايفة من الموت نفسه .. أنا خايفة أموت عريانة”

لم يرد ووضع المذياع أرضاً وأداره لينطلق صوت التشويش الذي لم يقطعه سوى صوت أم كلثوم.

(وانتبهنا بعدما زال الرحيق
وأفقنا ..ليت أنا لا نفيق)

نظرت له بابتسامة تحدت تجاعيدها لتظهر : “دي الست لو تعرف حبك ليها كانت إتجوزتك”

فتكلم أخيراً :”دي كات بتفرك م الوجع وبدنها صاحح، ولما اسأل يقولولي دي روحها العيانة.. وهي الروح بتعيا؟!”

====
* مشهد داخلي لامرأة تنام على سرير تتصبب عرقًا*

تنطق بهذيان: “آني رايدة أمين”

تتكلم أخرى مسنة ذات وشم يتوسط جبينها : “بقا قمر تفضل عمرها كلاته الرجال يجروا وراها بلاد، ترقد في سريرها من الشوق ”

“ما كان فيه رجال قبله..
آني عشقت أمين”

====
تتناول كوب شاي بارد من أمامها وتقول: “الروح وجعها تعرية وموت”

ينظر لها وقد ارتسم التساؤل على ملامحه: “بتقولي ايه؟!”

“ولا حاجة ، بس هي مين اللي روحها عيانة يا أبو أحمد؟!”

يزيد من صوت المذياع ويقول: “من يومك يا رقية وإنتي لغوتك عايقة، تقوليش جاية من البندر”

“لأ .. إنت اللي سايق العوج على كلامنا من يوم ما حبيت الغريبة إياها ، لا كانت مننا ولا كانت شبهنا ، هجيت وراها في البلاد ، لولا أبوك كتفك وجابك ليا تاني”

ينظر بعيدًا ويقول بتنهيدة: “كات ست عفية .. في شفايفها شهد ، كات تجر ورا خطوها الرجالة مسحورين.. هي اللي حببتني في الست، وأنا كُت بكرهها”

====
*مشهد آخر لحجرة يتوسطها سرير، تنام عليه امرأة كُشف من جسدها أكثر مما سُتر وعند قدميها رجل يتأملهما*

“بتحبني يا أمين؟!”

“أمين معرفش نسوان غيرك”

“ومرتك؟!”

“هطلقها واتجوزك.. يا قمر”

تضحك عاليًا وتقترب منه هامسة في أذنه:
“بتقلد لغوتي يالروح”

“الروح ريداكي تسرقيها سرقة”
تنظر له بعشق ثم تخلع عنه جلبابه.

====
“لحد النهاردة يا أبو أحمد بتقول اسمها في نومك”

“بعد ما أبويا أخدني من ضيها ورماني في ضلمتكم وبيقولوا روحها عيت بيا، هي قالتلهم قولوا لأمين روح قمر عيانة بيك.. ولاد الكلب الكذابين.. الروح مبتعياش.. أنا عارف إن أبويا اللي سمها”

“وجع الروح موت يا أبو أحمد .. وإنت موتني كتير”

“ما إنتي صَحة اهو يا مرة .. مُتي فين؟”

“حبيت الزانية وجريت وراها أراضي، وماتت لفراقك.. ولسه بعد العمر ده كله مفهمتش.. بس صحيح ما إنت لو كنت فهمت مكنتش عرتني في الدنيا”

“كات زانية بس عشقتها.. وإنتي الطاهرة عصي عليا عشقك”

====
يُفتح باب الحجرة بعنف ويدخل رجل مسن ويجذب أمين بعنف من نومته على صدرها
“قوم يا فاجر ، عرتنا وسط الناس بمشيك البطال”

تصرخ قمر وقد أمسكت بيدي أمين:
“هملوه ليا.. آني ..”

قاطعها الرجل بلطمة أفقدتها توازنها وأمر رجاله بتقيد ابنه الذي صرخ مقاومة باسمها ..

====
“أبو أحمد، اوعى تشوفني في موتي عريانة ومتغطنيش”

“كلنا هنموت يا رقية زي قمر”

“بس أنا ست.. مينفعش اتعرى ..كفاية تعريتك ليا في الدنيا”

“أنا عمري ما عريتك يا رقية ، حتى وأنا برمي فيكي بذرتي”

“ياريتها تعرية هدوم يا أمين ..”

====
*مشهد لحجرة أخرى ذات سرير كبير تقف بجانبه شابة تتزين .. يُفتح بابها فجأة ويدخل الرجل المسن*

“أنا جيبتهولك بره ، هيتحبس لحد ما بنت الكلب دي تمشي من البلد وترجع من مطرح ما جت، وأنا مش هسكت لحد ما أشوف حد يفك سحرها لابني.. غطي راسك، الرجالة هيجبهولك”

يُدخله الرجال ويخرجوا مغلقين الباب.. تتوجه ناحيته باكية لتحرره من قيده..

“أمين؟!”
يقبع ساكنًا يبكي.. فتبادله البكاء وتقول بصعوبة:
“كل حاجة منك وجع يا أبو أحمد”

====
“مش بتقولي إني عريتك في دنيتك، مش هيضرك تتعري في موتك”

“عرتني يا أمين لحد ما نشف عضمي من البرد”

“نفسي في شوية شاي”
تناوله كوبها البارد، يرتشف منه بحذر ثم يضعه جانباً وقد ارتسمت على وجهه علامات الاشمئزاز.
يُغلق المذياع فجأة وينظر لها: “عارفة يا رقية أنا قلبي مال لصوت الست عشان قمر قالتلي مرة’الست خمرتي’ قلت أجرب أشربها معاها”

“قمر كانت بتسقيك خمرتها عشان متفرقهاش ..كنت زي مسحور النداهة”

“كات تمنع عني خمر الازايز وأنا عندها”
يضحك بزهو ويكمل: “كات تقولي ميغبش عقلك معايا”

تنظر له وقد امتعض وجهها:
“لو مت عريانة مش هتغطيني يا أمين”

ينظر بعيداً بتيه: “لما نموت يا رقية ، مش هيهمنا عريانين ولا بغطا”

====
*الحجرة ذاتها وقد قبعت رقية في زاوية السرير تبكي وآثار لطمات على خديها .. تنظر بلوم لذاك النائم يتنفس بعنف وعلى وجهه تجاعيد غضب*

تكلمه همساً:
“آآآآه من قِلة روحك فيا يا ضنى روحي”

====
“أمين .. سمعت الست فالإذاعة؟!”

“مبحبهاش يا قمر.. أبويا بيحبها فكرهتها”

“أسمعها مع قمر هتعشقها بيا.. الست هيَ خمرتي”

“وقمر هيَ خمرتي”

تضحك عاليًا بينما تتجه للمذياع وتديره فيخرج صوتها..

(هل رأى الحب سكارى مثلنا
كم بنينا من خيال حولنا)

====
“النار انطفت، قومي ولعيها تاني”

“النار عمرها ما انطفت يا أمين”

يتنهد: “هغطيك يا رقية.. لو اتعريتي”

====
تُلقي بزجاجة الخمر بعيدًا .. تنظر له وتهمس: “ميغيبش صحوك معايا”

“آني صاحي.. بس بيقولوا سحرتيلي”

“لا .. بيقولوا إنت اللي سحرتلي”

====
ينظر لخواء الحجرة باكيًا ويسأل العجوز القابعة في زاويتها: “كِيف تموت قمر؟!”

“ماتت.. يوم مهملنا بلدنا وهجينا على هنه قولتلها العشق مرض فاوعيه، واهي مرضت بيه”

“العشق بيعيي، مبيمواتش”

“قبل موتها كات عم تفرك من الوجع، وبدنها صاحح مدبش فيه عيا، الحكيم جهل اللي فيها لكني عرفته ..قمر تابت عندك وماتت بيك يا أمين” ..