عفوا، لم تفشل الثورة…ولكن!
محمود أبو المعاطي يكتب لمصر 365

الثورة فشلت، الثورة ماتت، عايز أهاجز، ومفيش أمل.
نسمع هذه الكلمات كثيراً، وأقدر بشدة أحلام وطموحات الكثيرين التي كانت منتظرة، لكن قبل أن نُصدم بالواقع، علينا أن نذكِر أنفسنا بعدة أمور، أحاول التطرق إليها فيما يلي من سطور.
~
حقيقة الثورة – إن جاز التعبير طوال المقال – يجب أن يُعاد النظر فيها، فماذا كان الموضوع أصلاً!؟ كما أني اتساءل: ماذا كانت المطالب بالتحديد يوم نزل الناس؟ ومن المسئول؟ وما كانت الرؤية؟ وما هو الوقت الذي كان محدداً لتنفيذ المطالب؟
~
قد يهتف البعض في وجهي : يبدو أنك نسيت “عيش حرية عدالة اجتماعية”، والواقع أن ذلك الهتاف الرائع والمطلب الشرعي عام جداً لا يعدو كونه تفريغاً لما في نفوسنا من سخط تجاه النظام الذي أخل بأبسط الحقوق : العيش، الحرية، والعدالة لاجتماعية.
أما على المستوى السياسي وفي عرف الحركات الاحتجاجية -حتى الكبيرة منها- وعلى مائدة التفاوض، فإن مثل هذه المطالب لا تكون حاضرة، والمفترض أن يحل مكانها المطالبة بإقالة الحكومة أو البرلمان أو حتى تخلي الرئيس نفسه عن منصبه!!
~
لكن كل هذا لم يكن حاضراً، بل لم يكن في الحسبان من الأساس، الوضع كان مفاجئاً ( للناس وللأحزاب ).. وكل يوم كان يخرج علينا أحد رجال السياسة باقتراح يرى أنه الأفضل، وأنه يحقق مطالب الثورة..والله أعلم بنواياه.
لا أحد كان يعلم ما قد يحدث غداً، بل لم نكن نعلم أصلاً ماذا يجب أن يحدث كي نرضى! والحديث هنا عمن كانوا ضد نظام مبارك. المطالبة برحيل مبارك والتي بدأت بعد أيام من الاحتجاجات، لم تكن ذات رؤية واضحة لما هو ممكن أن يحدث، حتى من طالبوا بمجلس رئاسي كانوا يتكلمون، وإن وُضعوا في محل الفعل لاحتاروا واحترنا معهم!
~
أعلم أن الكثير والكثير مما كنا نتصوره ونحلم به لم يحدث، ولست هنا كي أتحدث عن أن الثورة حققت معظم مطالبها، وإن الدنيا فُل والجو بديع..
لكن وسط الصورة الحالية، أود الإشارة إلى عدة أمور:

* لسنا في زمن مبارك:
والكلام هنا نسبي -والحقيقة ليس هنا فقط- ، كما الحياة.. فلا يجب على الإطلاق حينما تقرأ الجملة، أن تتصور أننا في عصر الزهو والرخاء!
هناك سلبيات جمة لازالت قائمة أمنيا أو إدارياً أو سياسياً، لكن هناك ما لم يعد موجود، كالعصابة الحاكمة، ولم يعد هناك رئيساً يحكم من خلف باب القصر، وهناك ملايين من الناس أصبحوا واعيين بأن لهم حقوقاً ( ويارب يعرفوا واجباتهم )، ولعل هذا الأمر هام جدا على المدى البعيد.
والواقع اننا نحن موجودون مع اختلاف الحكام، فلنسأل أنفسنا: ماذا نفعل؟!
~
* الوضع تنمويا سيكون أفضل:
اختلفنا أو اتفقنا، هناك حراك تنموي بادئ، سواء فيم يتعلق بقناة السويس الجديدة، أو ما لاحظناه في المؤتمر الاقتصادي من استثمارات مختلفة. وهنا أقول أني لا أشير لوضع اقتصادي معين فلست خبيراً، لكن مثل هذه المشاريع لم يكن لها وجود.
~
* ضريبة التعلم:
نعم، وهكذا هي ضريبة الوطن. أناس يموتون دون ذنب، وتخوين مستمر. أعلم أن الأمر صعب، لكن التضيحات بمقدار النتيجة. ولن نتعلم أننا يجب أن نحيا سوياً أو كيف تُدار الأوطان أو أساسيات البناء إلا بكل هذه الأخطاء. ووسط ما يحدث هناك من يعدون أنفسهم ليكونوا مؤهلين لقيادة المجتمع للأفضل، بفكر معتدل ودون فساد، لم يكونوا ليتعلموا اكاديمياً كل ذلك، التجربة لها مفعولها.
لن يظهر ذلك الآن، بل ربما لن يظهر أصلاً! فلن نصحو ذات يوم ونجد الحال قد انصلح على أيدي مجموعة من الأشخاص (جيل الثورة مثلاً!) فنقول : “اه والله هما دول اللي كانوا بيتأهلوا”. هي خطوات، ومحاولات من هؤلاء الأشخاص وممن يعمل في تنمية هذا البلد، ستشكل مستقبلاً أفضل بإذن الله ( تدريجياً، وستظل هناك مظاهر سلبية وفاسدة – فهذا طبيعي )
~
لا أقول بأن مكتسبات ما حدث تُختصر في 3 نقاط! كل ما حاولت فعله الإشارة لتلك الأمور فقط..وتناول الموضوع بشكل كامل يطول فيه الحديث بالسلب والإيجاب.
………..
من التاريخ نقرأ أن دولاً عديدة عاشت لسنوات في فساد ثم تبدل حالها ( عادي يعني مش خيال ). ولكي أكون صادقاً، نحن نحتاج إلى الكثير والكثير من العمل والتعب حتى يكافئنا الله، ويتحسن الوضع. ومما لا شك فيه أن كل منا مسئول عن نفسه، وتلك بداية التغيير!
أوليس الالتزام بالنظام والعمل بالقوانين أمور مشتركة، نحن مسئولون عنها! بجانب دور الدولة في المتابعة وغير ذلك، كي تتحقق الفائدة الأكبر للمجتمع؟!
علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع الله
ثوروا على أنفسكم
………..
عزيزي القارئ، احترم عقلك، ولا أُجمِل الصورة. ولكني أضع نقاطاً على حروف،بدونها لن نتمكن من قراءة الجملة بوضوح، وهو ما لا يمكن قبوله حينما يتعلق الأمر بالوطن.
أوزن الأمور ولا “تنجرف” وراء حماسك وأحلامك وفي بعض الأحيان تضليل من يدَعون أنهم الفاهمين والعارفين.
التوازن ضرورة، والله أمرنا في كتابه بأن نبتغي الدار الآخرة وألا ننسى نصيبنا من الدنيا. وما أكرم الله إذ يكافئ المجتهد ومجاهد النفس، وما أعظمه قد جعل لكل شيٍ قدراً .
~
اقرأوا الجملة بالنقاط فيها، اقرأوها فإني أراها واضحة: ” عفواً، لم تفشل الثورة..ولم تنجح أيضاً !”