الدنيا مشاهد سيما -1 –
عمر حسني كاتب المقال

يأخذ كلمنزا اللفافة من على المكتب قبل أن يقبل اليد الحرة لدون كورليوني بينما يد الدون الأخرى تداعب هرته في سلاسة ونعومة حانية ، وما إن يخرج كلمنزا حتى يوجه نظراته التي كانت هادئة لابنه الأكبر سانتياجو محملة بعتاب واضح قائلا جملته المعهودة “رجل لا يقضي وقتا كافيا مع أسرته ليس رجلا على الإطلاق ! ”
ومع الحرف الأخير لجملته ترحب الأم الحنون بابنها مايكل القادم بصحبة أخوه – بالتبني – ومحامي العائلة توم هيجان ، اللذان يردان ترحيبها بقبلتين حارتين على رأسها ، ثم يتجه توم مرة أخرى للخارج نحو السيارة تبعا لإشارة مايكل ، في حين يتجه الأخير لمكتب الدون في خطوات واثقة وئيدة.
ما إن يدخلها ; يمسك يد الدون ويضعها مرة أخرى دون تقبيلها بغطرسة هادئة تثير جنون سانتياجو الذي يتجه نحو مايكل الواقف خلف كرسي الدون منذ فعلته ، يصفعه فيميل مايكل على الدون ويحيط عنقه بذراعه في احتضان هادئ ، قبل أن يخمش جلد رقبته ، وثانية قبل أن يتأوه الدون ، تنزع يد مايكل الأخرى قناعا زائفا عن وجهه في ظل ذهول سانتياجو الذي ينظر فاغرا فاه بينما ذراع مايكل المحتضن لرقبة الدون الزائف تكمل اعتصارها دون مقاومة تذكر.

إنك لا تعرف الخدعة ، لأنك دوما لا تشاهد عن كثب أو بمعنى آخر “ﻷنك دوما تحب أن تخدع”
الحقيقة أن حب النفس لذلك ليس المحرك الوحيد ، كما أنه ليس سببا كافيا لأن تغرق في ذات الخدعة وتصفق لها بتغيير بسيط في الديكور أو العرض.
سؤال “ما الذي يستطيع خداع تلك النفس دون الأخرى؟” هذا تحديدا ما يحدد مستوى الحيلة !
فتاة “جميلة” ، أن الخدعة “آمنة” تماما ، أم من الممكن فحصك و”معرفتك” لأدوات العرض كفيل بذلك !
أشياء كثيرة لكن الأمر المؤسف حقا أن العالم دوما : يصفع مايكل لأنه منقسم ما بين كلمنزا وسانتياجو!

صانعو الخدع دوما يمكثون في قاع المسرح ، بينما من تراه على خشبة المسرح هو فقط “مؤدي” وعندما ينتقل صانع الخدعة من القاع لخشبة المسرح فعليك أن تعلم أنه لم يعد يثق بالمؤدي أو لم يعد قادرا على صنع المزيد أم أنه فقد صوابه أو لربما له توأم أو – يعتقد أنه كذلك – لا نعلم عنه شئ ، وفي عالم السياسة ; يجهز التوأم على توأمه كثيرا..

قال جورج بوش يوما ما ” لا يوجد عداء دائم ، لا يوجد صديق مستحيل ، فقط مصالح مشتركة”
ما نعانيه كمجتمع سيظل دائما أننا ننتظر ظهور صانعي الخدع وهم لا يظهرون ، وحين نعتقد بظهورهم فنحن نغفل أننا قد أضعنا العرض وجرى ما جرى وننتظر مرة أخرى عرضا آخر لم يبدأ بعد.
وعليك أن تتذكر أن الحواة لا يشرحون ، وإنما الواجب عليهم أن يستعدوا “فيتبارون”
فلن ترى جيم كاري آخر يقف على عتبة هذا العالم الزائف مصرحا بأن تلك النهاية قائلا “صباح الخير .. وفي حالة لم أستطع رؤيتكم .. يوم طيب .. مساء الخير .. ليلة سعيدة”
لن ترى أحد يخبرك من الدون المزيف ؟ ما الذي منحه لكلمنزا ؟ ما هي غلطة سانتياجو المقبلة ؟ من هو مايكل الحقيقي ؟!

أفلام تمت الإشارة إليها :-
▶ The Godfather
“التزام بالشخصيات دون المشهد”
▶ The Prestige
▶ The TrumanShow