لامنطق الغياب ، ولعنة العودة ..
نداء طارق الحلوجي

“زهور حديقتك .. لن أسلبك إياها .. لكنني سأدفعك أنتِ لقتلها ” ..
*******

قبل مولد أخي الصغير بشهور ، سافر أبي للخارج .. عامان وانقطعت أخباره ..
كنت في الثانية حين اختفى ؛ فخلت ذاكرتي منه ، إلا من صورةِ وضعتها أمي في كل حجرة .. صورته وهو ينظر للكاميرا بصرامة ، كأن وجهه لم يبتسم يومًا ، لكني رسمت له بسمته ، تخيلته يُحدثني ، يلوم حماقتي ، ويحتضن ضعفي ..
في الواحدة والعشرين من عمري اشتريت نبتتي الأولى ، ولم أتوقف بعدها عن زراعة حديقة بيتنا الصغيرة .. كنت أحدثه دومًا عن نباتاتي ، عن زهورها ، وعن رائحة الأخضر .. كنت أريده أن يشعر ما أشعره ؛ فكتب له عنها كما كتبت عن الكثير ..
مر عامان آخران ، وذات صباح دق باب البيت ..
“لعلها الخادمة” قالت أمي ، فتحته ، فـ كان رجلٌ يرتدي جلبابًا قصيرًا ، لحيته كثيفة يحتلها شيبٌ ، جسده بدين ، ووجهه صارم .. للحظات اختلطت علي عيني ملامحه ، كان يشبه أبي ، لكن أبي فُقد منذ أعوام ..
“من بالباب؟” قالتها أمي من خلفي فأجاب الرجل “إنه أنا” ، تقدمت أمي ناحيتنا ، نظرت لوجه الرجل ، ولا أعرف متى ابتعدتُ لتحتضنه أمي، كانت تبكي وتصرخ أنه عاد ، أن قلبها لم يكذب ، لكن الرجل لم يتحرك ، لم يلف يديه حولها ، كان ينظر لي بعينين خاليتين من أي عاطفة ، صارمتين ، مخيفتين ..
خرج أخي من حجرته ، نظر لهما ولي ، سألني عنه ، أجبته بخوف “أباك!” ، فهربت دماء وجهه ..
أدخلته أمي ، أجلسته ، وبيديها تحسست وجهه وكتفيه ، كانت تسأله أين كان ، لم يعيرها انتباهًا ، كان ينظر لي ولأخي ..
“من هما؟” سألها مشيرًا لنا برأسه ..
“ولداك .. طفلتك ، وابنك الذي لم تره .. لكني كنت أعلم أنك ستعود ، لم أدع يومًا يمر دون أن أوثقه لك بصورهما ”
“أين لحيتك؟” سأل أخي بملامحه المشمئزة متجاهلًا أمي ..
“أي . . . . أي لحية؟” تلعثم أخي ..
“إنها سنة عن النبي ، وثيابك هذه ، بنطال؟” قالها بغضب ..
“لكنني لا …” لم يُكمل أخي جملته ، ماذا سيقول .. كيف لرجل غاب عمرًا كاملًا أن يأتي فجأة ، ليسأل عن لحية؟! ..
“ليس الآن وقت السؤال عن ثياب ولحية ، فلتستحم أولا لترتاح ، وبعدها تحكي لي أين كنت ، وكيف عشت ، أشتقتك ، أنظر حولك ستجد صورتك في كل مكان ، لم ننساك ” قالت أمي بحنو بينما نظر حوله لامباليًا ، ثم نظر لي وقال:
“أنتِ ، لباسك فاضح .. كاسيات عاريات و …”
قاطعته أمي “ليس الآن بالوقت المناسب ، ليس الآن ” ..
كنت في حجرتي ، أجلس على طرف سريري ، أنظر لوجهه الصارم وقد ذهبت عنه ضحكته المتخيلة ، صار مخيفًا ، وددت لو أنزعه عن الحائط .. دخل أخي وجلس بجانبي ، أمسك بيدي المرتعشتين وقال “لا تخافي ، لا حق له أن يغيب ويعود ليشكل حدائقنا كما يحلو له ” ..
الحديقة .. خرجت لها ، كانت واحدة من الورود قد تفتحت ، جلست بجانبها ابتسم بخوف وسألتها “من هذا الرجل؟”
صار فجأة للبيت طريق جديد .. صوته العالي ، أوامره ، وقرارته .. لا عمل لي ، لا جامعة لأخي قبل أن يطلق لحيته ، ولا خروج لأي مكان دون غطاء وجه ..
“ما الذي يلزمني باتباعه يا أمي؟”
“لأنه أبيكِ ..”
“لكنه ليس بربي ..”
“لا نريده أن يرحل مجددًا ، أليس كذلك؟”
“أنتِ من لا تريدين .. أما نحن ، فنتمنى ..”
“لا تجعليني أصفعك في هذا العمر” ..
لم تكن لأخي لحية ، ولم يصدق أبي ؛ فاتهمه بالكذب ..
رفضتُ ترك عملي فسجنني في غرفتي ..
كان يصفع أمي حين تدافع عنا ، ويصفعها في حجرتيهما دون أن أعرف سببًا ، فقط يخبرني وجهها الصباحي ..
صار سؤال “أين كان؟” لا يهم لنا ، فقد استبدلناه بــ “لماذا عاد؟” ..
ببطء ذبلت الحديقة رغم اهتمام أخي بها عني .. وطردت من عملي ، رغم توسلاتي لهم الهاتفية ..
“متى سيرحل؟” ..
صرخات أمي المستغيثة أيقظتني مفزوعة ، حاولت الخروج لكن الباب المغلق منعني ، فظللت أصرخ طلبًا لمن يساعدها .. دقائق وسمعت صوت أخي يتشاجر معه ، وخطوات أمي تقترب من حجرتي ، فتحت الباب ، وصرخت بـ اسم أخي ..
كان ينهال على وجهه الضئيل بلكمات متتالية ، صارخًا “أين لحيتك يا ابن أمك” ، كالمجنونة ألقيت بجسدي بينهما ، سقط أخي أرضًا وأمسك هو بشعري .. صفعاته القاسية أفقدتني وعيي ، كانت جملته “يا سافرة” هي آخر ما أتذكر ، لأستيقظ لاحقًا وقد قص لي شعري ..
“أنا فقط لا أفهم الأمر ، لماذا قد يفعل هذا؟”
أخي الذي كُسرت يده وضلعيه .. وجهي المتورم وشعري المفقود .. أمي وتمزقها .. وهو جالسًا تحت النافذة في حجرته يقرأ بصوتٍ عالٍ القراءن .. كنا في بيت واحد ، بابه مغلق ، كما قلوبنا ..
لم يحلق أخي بعدها لحيته ، ولم أخرج أنا من حجرتي ، ولازمت أمي سريري .. ماتت حديقتي ، ونزعتُ صورته عن حائطي ، تجنبت تذكر رسائلي وأحاديثي المطولة له ..
كانت أرواحنا قد آمنت أنه اليابس الذي أصاب حديقتنا .. أنه سنواتنا العجاف ..
وفي صباحٍ ما ، استيقظنا لنجده حاملًا حقيبته ويستعد للرحيل .. نظرت له أمي ولم تتمسك به ، بقيتُ خلف بابي كما فعل أخي ، ولم يخرج أحدنا لوداعه ، رحل بكل تلك البساطة ، مخلفًا سببه :
“جعلتم حياتي جحيمًا “..
أغلق الباب خلفه لنخرج من حجرتينا ، وقف ثلاثتنا في مواجهة الباب المغلق بمرآته الضخمة ، كان انعكاسنا كلوحة ..
زهرًا يرقد على شعري .. زهرًا يخرج من لحية أخي .. وزهرًا ينمو في قلب أمي ..