فراق الأحبة …
الكاتب أحمد الصاوي

دخل الهواء إلى صدرها الملتاع فأرتج جسدها مع شهقتها، ثم ابتلعتها موجة بكاء آخري فانخرطت حتى احتقنت مقلتاها، وتشبع المنديل في يدها بدموعها الساخنة، وهو جالس محني الرأس على جانب السرير.

ظل الحال هكذا لبرهة حتى قطعت هي ذلك الصمت الكئيب وقالت بصوت مختنق:

– ألا يوجد سبيل آخر لتبقي معي.

فرك كفيه بتوتر ثم نظر إليها نظرة حاول أن يجعلها مطمئنة وقال:

-أنتِ تعرفين القواعد، يجب أن أرحل، وصدقيني لن أغيب كثيراٌ عنك.

توقفت عن التنفس ونظرت إليه شزراً ثم صرخت في وجهه:

-ولكنك ستتركني، وغيابك موجع، إن طال أو قصر …… ماذا سأفعل بعد رحيلك؟

انفجرت باكية وقوقعت جسدها لتدفن وجهها في الفراش ففزع من انفعالها وأقترب ليضع يده برقة على كتفها ثم طبع قبلة حانية على جانب عنقها وهمس:

-لا تخافي يا عزيزتي.

ضمها إليه حتى هدئ روعها وخف بكاءها وبدأ جسدها يرتخي بين ذراعيه فأخذت تنظر إلي وجهه الباسم كأنها تحفظ قسماته حفظاً لأجل الفراق.

– لن أغيب عنك أكثر من شهر يا حبيبتي.

– أخاف من ابتعادك عني هكذا، أخاف أن يقهرني، فبدونك أنا واهنة ومرتعبة من تصور أنه يمكنه أن يأخذني كل ليلة إلى …

– لا، لا تكملِ.

قالها بتأثر شديد ثم أتبع:

– صدقيني ما أنجزناه معاً لن يحطمه أحد، لا تخافي، وربما أعود لأجدك على حال أفضل مما تركت، وتمعني فيما حولنا، هناك آلاف الأسباب تجعلك تتفاءلين، آلاف الأسباب تساعدك وتساندك وتجعلك تثقين في نصرنا…… آلاف الأسباب حبيبتي ستحميكِ من صاحبك وستمنع عنك كيده.

ألتقط نفساً عميقاً ليطفأ به حماسته المتأججة ثم أكمل خطاب طمأنينته:

– ولن يهزمك؛ فانتي قوية صلبة – كعهدي بك دوماٌ – وأريدك للأبد هكذا، وأنا معك حتى لو فرقتنا السماوات.

ثم انتقل بصوته إلى الرقة وأتبع:

-لا أريد أن أتعذب بضعفك، يكفيني عذاب فراقك.

مسحت عن وجهها أًثار الدموع وقالت:

-حسناً يا عزيزي، سأتذكر كل أقوالك وكل أفعالك وطرائقك، وسأحاكي براعتك وستفخر بي دوماً، أعدك بذلك.

فرح لقولها وكافئها بقبلة ساخنة ثم كسي صوته الجدية وقال:

-لا تتركيه يقوي ذاته، لا تسمحي له بأن يعزز دفاعاته وأهم شيء، ابعديه عن ذاك المكان، لا تدعيه يأخذك إليه أبدا مهما حصل، اشغلي وقته بأي شاغل؛ حتى لا يقهرك ويردع سبلنا…. حتى لا يفرقنا.

أبعد وجهه تأثراً وأمسكت هي بكتفيه ذعراً وصاحت:

-لا، لا تقل هذا، أنت رفيقي، أنت العمر.

-أنا فقط أحذرك وأذكرك، حتى لا تضيع جهودنا ويحدث ما لا تحمد عقباه، وأهم شيء حبيبتي يجب أن تفعليه هو أن تقتربي منها وقربيه منها، قربيه من صديقته وأشغليه بمغازلتها حتى يمر الوقت ويظل منشغلاً وهناك أيضاً ….

دق ناقوس مزعج خارج البيت فأغمض عيناه مدركاً معني التنبيه، وزفر في حنق ثم قام ودار حول الفراش وهو يلوح لها مبتعدا وقبل أن يغلق الباب خلفه قال بحزن عميق:

-الوداع يا حبيبتي.

خرج بخطوات مثقلة إلى الشارع واتجه صوب عربة كبيرة سوداء تشبه عربات نقل المساجين في العصور القديمة وخلف بابها الحديدي يجلس رهط ما إن رأوه ألقوا عليه التحية، فضم جناحاه وفتح الباب ليجلس بهدوء داخلها وعيناه معلقتان على المنزل، فتنحنح من بجواره وقال:

-الفراق صعب.

هز رأسه وتمتم:

-نعم ولا سيما إن كانت النفس مطيعة كتلك التي فارقتها.

ثم رفع صوته مخاطبا من معه داخل العربة وقال:

-ولكنه مجرد شهر اخواني الشياطين… مجرد شهر ويعود كل واحد منا إلى النفس التي يعمل عليها ومعها وليستأنف بقوة عملة المزدهر في تلك البلاد.

أتم قوله فأرتجت العربة وحلقت تجاه السماء حتى اختفت في ظلام الليل.

وفي الداخل تطلعت هي إلى ورقة التقويم المعلقة على الحائط والتي كتب عليها بخط واضح ” 30 شعبان ” وقالت:

-أراك قريبا يا عشقي.

ثم استرخت على الفراش وأغلقت عيناها فأخذ جسدها يبهت ويتلاشى أثره حتى ظهر أسفلها شاب يغط في نوم عميق وبجوار رأسه هاتفه النقال.

تمت