ما همني شيء …
الكاتبة الفلسطينية أهداب حوراني ...

 

لم أكن بعد سوى طفلةٌ لم تتجاوز الأيام من عمرها حين تعلمت أن السرقة حرام ومحادثة الفتى الذي يسكن في أول الحي لا تجوز وأن السؤال خطيئة وأن الصمت عارٌ وأن هويتي ليست عربية وأن بلادي مستنقعٌ للزعامات الخائبة والشعارات البالية والتيارات السياسية المنحرفة كراقصةٍ في نادٍ ليلي

كان عمري عامان حين علمتُ أن التنفس في وجه الحزن مكيدة وأن الأمنيات فاشلةً لا تحتاج سوى الى ورقةٍ تمسي في بحر الزمن صفراء بالية

علمتُ أن جارنا مخادعٌ كبير كان يغازل رفيقتي يعدُها بالزواج

كان يستتر بها في دكانه القذر يهاجمها بقبلٍ حيوانة شرهة منمقةً بوعودٍ وردية

علمت أن الشرطة في خدمة الشعب ولم أعلم وقتها أي خدمةٍ قدمتها لنا في زقاق المخيم سوى إخراس صوت طفلٍ إحتاج ثدي أمهِ وأمه لم تكن سوى عاملة قمامة في مدرسة اللاجئين

لم يكن عمري سوى خمسة أعوام حين علمتُ أن الكيل بمكيالين حيلةُ الجاهلية وأن بلادي ليست سوى على الورق والخريطة وزِعت على الجرائد ليعاد طباعتها لصفحات الأفراح والأموات وخاناتٍ لإنتخابات البلدية الموقرة

علمت أن الكلام كثيرٌ جداً فالمعلم يتكلم والجيران يتكلمون والرجال يتكلمون وفي أخبار الساعة العاشرة صباحاً الكثير من الكلام حتى أمي تتكلم كثيراً لكن كلامها كان يختلف عن الأحلام وقصائد الغزل وعن أغاني اسمهان وفيروز كانت أمي واقعية جداً قد كان كلامها عن طريقة طبخ الطحين الأصفر لإطعام أفواهنا البائسة

وازداد عمري عام لم أكن أعلم أن التجارة نجاسة وكم من تاجرٍ باع واشترى بأحلامنا زجاجة سُكرٍ وعاهرة

لم أكن أعلم أن هناك شيءٌ موءود اسمه قضية وأنها كبيرةٌ جداً أكبر من أسوار المخيم وأحلامي الهزيلة

كان عمري ثمانِ أعوام عندما قُبضَ علي أخي الصغير وهو يتسلق الأشجار ويمارس لعبة الاستغماية وتهمتهُ كانت أنهُ مارس طُهر طفولتهِ باللعب مع رفيقتي وكان الشاهد ذالك الرجل صاحب البقالة فهو كريمٌ جداً يُطعم كل بيتٍ ويخرس كل فتاةٍ بالحي بقبلةٍ حالمة

أُتهموه بالخيانة وبأنه ساحر حالم يحمل في جعبتهِ الكثير من الأمنيات والكثير من الأشياء الجميلة لحكاية وطن أُتهم بأني قاتل الحقيقة وأنه من واراها في كفنٍ عفنٍ قرب حاوية القمامة

أُتهم بأنهُ سرق قوت يومهِ ليشتري به قلم رصاص ليزاول طقوس سحرهِ على جدران المخيم

اقرأ الجريدة و أحاول بائسةً أن أجد حلاً للكلمات المتقاطعة لأعرف اسم ذاك الشاعر الذي قال (عندما اموت ادفنوني اذا شئتم في مهب الريح الذي يجرحني عن بعد بسيوف جد طويله ) وهؤلاء الأميين الأغبياء لم يعلموا أنك ابن قضيةٍ يا لوركا

أهملتُ الكثير من الأعوام وأشياء تعلمتها قصراً فما همني إن مات جارنا صاحب البقالة وله من النساء أربعٌ وعاهراتٍ تسعٌ وعاشقاتٍ بلا أرقام وما همني إن هُدمت أسوار المخيم وما همني إن ماتت القضية وتم بيعها بـ براميل نفطٍ فارغة وما همني أن أمي تعلمت القراءة والكتابة وهي الآن تكتب في سيرتها الذاتية وما همني أن النوادي الليلية وبيوت الدعارة تحتاج لموافقةٍ أمنية لتمارس طقوسها كدور عبادة

وما همني إن كانت تلك الأوراق كما هي لم يتغير بها شيء سوى صور أصحابها ونهاياتٍ بخسة لرجالٍ أوباشٍ قيل عنهم أنهم في زمنٍ ما كانوا شجعان ؟

ما همني شيء إن لم أتعلم العشق بعد ولم أتعلم أن الصمت حقير وأن الكلام من أفواه المجانين حكمة

وأن المتفرجين الجياع على كراسي مسرحٍ هزلي لا يعلمون معنى الضحك

ما همني أن رفيقتي مازالت تنتظر عودة أخي الأسير عند تلك الشجرة وأنها ما زالت عذراء بعد الثلاثين ؟

ما همني شيء إنها أشياء سخيفة جداً كالحقيقة المالحة في صحراءٍ رطبة