الملف الأحمر …
الكاتب أحمد الصاوي

بأطراف أصابعه مسح غبار وهمي من على كتفه، عدل ربطة عنقه ثم تأكد بكف يديه أن شعره مرتب كما صففه في الصباح، وتذكر كم كان أنيقاُ وهو يدقق في كل جزء من تلك البدلة السوداء أمام المرآة قبل أن تدخل عليه أمه وهي تزغرد:
” عريس، عقبال ما أشوفك عريس يا رب، ويا رب يبني يرزقك بالشغلانه دية بقي وتشتري ألف بدله، وتبقي تشحت أصحابك زي ما بيشحتوك بدلهم.”
كان لكلمتها الأخيرة وقع في نفسه أذهب بسمته وخيلائه، وما لبث أن ذكر نفسه بطيبة أمه وتلقائية حديثها، ثم شدد قبضته على الملف الأحمر الممتلئ الذي يلصقه بصدره.
جال بناظريه بين الجالسين حوله…. المكان مزدحم للغاية؛ الجميع يرتدي ثياب مهندمه وكل شخص يمسك في يده ملف، منهم من يطالع محتواه ومنهم القلق، وأوقف نظره عند كل ملف وكأنه يحصي عدد الأوراق ليحدد نوع المنافسة وقوتها، وكل حين يشدد قبضته على ملفه ويبتسم؛ يؤكد لنفسه أنه المنشود.
طال الانتظار وذلك الحاجب ذو الصوت الأجش ينادي:
” الأستاذ رقم تلتميه وعشرين يتفضل.”
زفر في حنق، فالورقة التي في يديه تطل له ساخرة بذلك الرقم المكتوب فيها، فأقحمها في جيبه وطالع ملفه الأحمر وفتح بترو أول صفحة وقرأ بياناته باهتمام، ثم قلب الصفحة على شهادة الجيش…
” عارفها يا بيه ولا أجيبها تشوفك وانت كده، عشان تفرح بخلفتها ”
رن الصوت داخل رأسه مدويا مع ذكريات حاول أن يدفنها بعيداً.
” عارفها يا فندم عارفها”
” خلاص انزل برأسك ومتطلعش إلى لما تجيب الرصاصة ولا قرفان يا بسكوتة”
” حاضر يا فندم”

إحساس بغثيان مفاجئ، وغضب من تلك الذكريات ألم به، وبدون وعي مسح أنفه؛ وكأن رائحة خزان الفضلات الأدمية مازال باقيا في وجدانه، قلب الورقة محاولا منع توابعها في عقله، فأخر ما يريده في هذا الوقت= حوار فلسفي بينه وبين عقله، لنقاش إن كانت الإهانات سبيل لتنشئة جندي قوي؟، أم هو قاصر الفكر ولا يعرف مصلحة الوطن بالفعل، فالمهم أنه قد أتم سنواته الثلاث بشهادة حسنه “سير وسلوك”.
والورقة التالية كانت شهادة تخرجه، والتي أثارت ذكريات أخري….
رُسمت على وجهه ابتسامة دافئة وهو يتذكر والده وهو يرتدي بتلهف النظارة ليقرأ تلك الورقة المدموغة بختم الجامعة، وكيف هلل أباه حينها
” أخيرا تخرجت الحمد لله، والجيد جدا منور الشهادة يا ولا ”
وتذكر حين مسح أباه الدموع بيده المرتجفة ثم وضعها على كتفه وكأنه ينصب وريث عرش.
” أخيرا كبرت وهتشيل عني هم إخواتك، أخيرا بقيت راجل”
وحتى تلك الورقة قلبها سريعا، ربما تخوف من تذكر مشاق الدراسة أو لأن تلك المحادثة قد مر عليها أربع سنوات تقريباً بدون أن يتولى مهام أحد، ولكن للذكريات طرائق شتي، وتنجح دائماً في الظهور لتتجسد وكأنها البارحة…
” أخيرا يا حبيبي إتخرجت وكلها يومين وتيجي تخطبني ”
انتظرها لتنتهي من فيضان فرحتها البريئة وقال لها:
” انتي عارفه انا بحبك قد أيه وعارفه إني مبتمناش غيرك في الحلال، بس الظروف…. لازم نستني لما اشوف جيشي وأشتغل، وانت تخلصي دراستك”
رن هاتفه فأخرجه سريعاُ وابتسم لأنها هي، خطرت على باله فإذا برسالتها تصل.
” حبيبي طمني عليك عملت أيه في المقابلة، وحاول تخلص وتكلمني عوزاك في موضوع امبارح، مش عارفه أقول أيه لبابا عن العريس الي متقدمي “
رد باقتضاب:
” لسه مجاس دوري، حاضر ”
ضغط زر الإرسال، ثم أتي بصورتها؛ ذات الجمال الهادئ والوجه الصبوح، دائماً وأبدا كانت هي الونيس في الوحشة، ملاذه وسط المشاق وأميرة الأحلام، ومع دقات قلبه الحانية علت وجهه نظرة عاشق متأمل، وبعد وقت تدارك نفسه وأغلق الهاتف وهو يقول لنفسه:
” بنت حلال، غيرها كان سابتني من أول لحظه……. بس إن شاء الله مشكلتنا تنحل النهارده.”
أكمل تصفح الملف للتأكد من كماله -فأوراق الملف هي تأشيرة الحياة المتوقفة على العمل-وتوقف عند أوراق الدورات فلكل منها مكانة خاصه؛ كل مكانة حسب السعر بالطبع، ومسح بيده اليمني علي أول شهادة لأول دورة حصل عليها ببطء، كأنه يمسح عرقه المنهمر وهو ينادي من وسط تألمه:
” حسن يا حسن، هو لسه فاضل علي الطن كتير.”
” فاضل شكارتين يا صحبي، امسك نفسك واجمد هانت ”
“ضهري إنفلق يا حسن من شكاير الأسمنت، مش قادر.”
” طول عمرك بتاع مزاكره، وملكش في الهم ده، بس قولي هو انت محتاج الدوره دية أوي كده عشان تبهدل نفسك وتشيل على ظهرك باليومية؟؟ أوبا…. بقولك ايه أجل الكلام ده ويلا شيل الريس جي، يلا شيل.”
تبدلت بسمته حين تذكر كم كانت الأيام صعبه، وحمد الله على انتهائها، فالمهم الشهادة، المهم الورقة.

تباً للذكريات.

قطع الصوت الأجش حبل أفكاره وأنقذه من استرسالها الموجع:
” الأستاذ رقم تلتميه وستين يتفضل ”
أخيراً جاء دوره، قام بقلق واضح محتضناُ الملف باهتمام، وقرب الباب تعثر في طرف السجاد، فأمسك به الحاجب بسرعة وقال له:
– امسك نفسك يا استاذ، واحمد ربنا إن ورقك موقعش وأتفركش، أصل في بلدنا الواحد قيمته في ورقه.
أتم الحاجب قوله بضحكة سمجة، جعلته يسرع بالابتعاد عنه، ثم عدل ثيابه ودخل حجرة المدير، وأمام اللجنة جلس بعد أن وضع الملف أمام أحدهم وأنتظر الرد، انتقل الملف الضخم إلي يد الجالس في المنتصف، يبدو من وقاره أنه المدير، وبابتسامة تصفح المدير الملف وقال:
– دورات وتقدير عال، وكمان تدريب خارج الكلية، بسم الله ما شاء الله.
ثم نظر إليه وتابع بابتسامة عريضة:
– أمال تاعب الوالد ومخليه يكلمني ويأكد عليا ليه بقي، دأنت تمام من غير توصيه.
تنحنح في إرتباك وأجاب:
– حضرتك انا مش فاهم حضرتك بتتكلم عن أيه بالظبط .
اختفت ابتسامة المدير وأخرج من درج المكتب ورقة نظر فيها وقال:
– مش انت على ابن البشمهندس عبد القادر بردو؟
ابتلع ريقه في صعوبة كمن يحتضر وأجاب ببطء:
– لا حضرتك انا براء السيد، حضرتك الملف فيه بياناتي وكمان فيه كل حاجه عن ….
قطع كلماته حين شاهد المدير يهمس إلى من بجواره ولا يسمعه، وما لبث المدير أن قال:
– ملفك هايل يا محمد الصراحة والي زيك كده فايدة كبيرة أوي للوزارة…. ان شاء الله نبقي نبعتلك، إتفضل.
التقط الملف واتجه إلى الخارج وقدماه لا تكاد تحملانه وقال بصوت متقطع:
– براء حضرتك، مش علي.
وأخترق صوت الحاجب عظام جمجمته وهو ينادي:
– البشمهندس علي عبد القادر، اتفضل
نظر إلى القادم، شاب وسيم واثق النظرات يختال في سيره كالطاووس، رمقه حين مر بجواره وكأنه فراغ، فالتفت اليه يغمغم:
– بدون رقم ولا يحمل ملف!!.
وكأن الحاجب قد سمع همسه فتبسم وقال موجها الحديث إليه:
– ورق عن ورق يفرق.
وفرك إصبعيه السبابة والإبهام أمام وجهه ثم انفجر ضاحكاً.

تمت