يوم ولد الشيطان …
الكاتب حسين السيد أبو حسين

نعم, أنا هذا القاتل الذي ذبح ثلاث رجال, السفاح الذي أرعبكم, إن كنت تقرأ مذكراتي الآن فإن هذا يعني في الأغلب أني فارقت تلك الحياة الظالمة, فارقتها إلى غير رجعة و بغير ندم على شيء فيها, فلم أر فيها سوى الذل و القهر و موت الحلم …
أنا لا أبرر ما فعلت, لدي على الأقل الشجاعة الكافية للاعتراف بخطأي و خطيئتي, أخطأت حين تصورت الكفاح يخرجني من فقري و ذلي, سنوات من الحرمان, يقتطع أبي فيها من قوته, و تبيع فيها أمي ماء وجهها تستجدي هذه و تلك لاطعامي و تعليمي وها هي شهادتي راقدة إلى جواري ألعنها في كل يوم ألف ألف مرة, ورقة واحدة امتصت ستة عشر عاماً من عمري, ورقة واحدة لا تغني و لا تسمن من جوع أنفقت لأجلها الأيام و أنفق أبي عليها الأموال, أمقت هذه الورقة حقاً, قطرات حبرها أغلى حتى من دمي, و النتيجة حارس عقار, لو أن أحدهم يشتريها مني و يعيد لي سني عمري لبعتها له غير نادم, هذه شهادة من كلية الأداب تقول أنني فيلسوف بتقدير جيد جداً, ممهورة بخاتم عميد الكلية, نبارك لولده الحبيب تعيينه معيداً جديداً على مجموعة أخرى من البائسين أمثالي ليستكمل ما بدأه أبوه من توقيع أوراق لا قيمة لها, و لأستكمل أنا ما بدأه أبي, الأمر استهلك مني ستة عشر عاماً لأدرك أن زميلي سيكمل ما بدأه أبوه, و سأكمل أنا ما بدأه أبي, هذا خطأي و علي أن أتحمل نتائجه كنت غبياً و أستحق ما جرى لي, خطأي الذي قادني إلى خطيئتي, خطيئة أن تكون حملاً في مجتمع من الذئاب, إما أن تكون ذئباً أو لتجهز نفسك كي تؤكل.
محامي عقارنا الشهير رفض تعيني, نظر إلي من أعلى لأسفل و قال حراسة العقار ستربحك أكثر, لن يحب سكان العقار أن يروك في مكتبي, لن تستطيع أن تتحمل مستوى زملائك, ستلازمك عقدة النقص, ماذا ستصنع الفلسفة في مكتبي, الفلسفة بحث عن الحقيقة, و عملي هو طمسها, أنت حقيقة و لا مكان للحقيقة هنا.
الصحفي الشهير سيكون ملجأي إذاً, و إذا كانت الحقيقة لا تزور مكتب المحامي, فهي بكل تأكيد ستزور بيت الصحفي, هو بالتأكيد مثلي يبحث عن الحقيقة, لقد سمعت عنه كثيراً, هو دوماً نصير أمثالي ممن جار عليهم الزمان, لطالما سمعته يتكلم عن الحق و الخير و الجمال و الحرية, لم يكن أبي يحبه, ربما أبي مخطئ, ربما لم يكن يجيد الحكم على البشر, ذهبت إليه, عرضت عليه كتاباتي, أعطاني الرجل وظيفة, لم يدفع كثيراً لكنه على الأقل دفع, أخذ كل كتاباتي, شجعني لكي أكتب أكثر, نشر كل ما أعطيته من كتابات, و لكن … باسمه هو, لم يكن أبي مخطئاً, كان دائماً يجيد الحكم على البشر, لم يكن صحفي عمارتنا أكثر من لص, يبدو أن كلهم لصوص حتى الذين ينددون كما الضمائر باللصوص, فرسان هذا العصر هم بعض اللصوص.
طبيب عقارنا لص أيضاً, كان أبي يموت, دموعي كانت تستعطف احسانه, قال لي بغلظة ليس في المستوصف أسرة فارغة, و لا تستطيعون دفع تكاليف العلاج في المشفى الخاص, صديقي ممرض يعمل لديه قال لي لم يبق الزمان لأبيك عضواً سليماً يُسرق, يسرق به الطبيب أتعابه من لحم أبيك و دمه, أبوك صفقة خاسرة, لن يقبلها الطبيب أبداً.
أقسمت يومها ألا أترك الزمان يسرقني كما سرق أبي, أقسمت أن أحرق الملاك بداخلي و من رماده نبت الشيطان …