في تمام العاشرة …
الكاتب محمود حجازي

المكان عفن تستطيع أن تشتم بواقي الأكل المتناثرة علي الطاولة، تتدلي مروحة بطيئة الحركة لعلها لم تنطفئ من أمس، يستلقي تحت حركتها هشام علي مرتبته يراقب دخان سجائره و هو يغغم صورة التلفاز …. يتذكر قليلا من مشاكل العمل ليتضجر ثم يبرأ أفعاله و يتراءي له كم كان موقفه بطولي، الآن… يستحق جائزة علي تحمله سخافات زملائه و مكر العمال الملحق بجملة ” خليها لبكرة يا بشمهندس هشام “، ربما يتسكع مع أصدقائه ليلا، ينغمسوا في أهداب الحشيش المقلب جيدا مع النيكوتين … أو يهاتف صديقته من أجل أن يستيقظا عاريين في الصباح التالي …. لكنه فضل أن يصمت، و بدء يدرك كم أن جسده مجهد من عمل اليوم، حتي قاطعه هاتفه…. إنها صديقته، شعر حينها أن كل القوي الكونية تتكاتف من أجل إمتاعه تلك الليلة….فضل هشام أن ينساق لما يخططه القدر تلك الليلة، لذلك رد علي الهاتف
– ايوا، يا حبيبي …قالها بنبرة ثابته تظهر خشونة هي تفضلها في آخر كل حرف
– هشام، احنا لازم نتقابل النهارده ضروري، و لو سمحت… ما تقوليش تعبان أو عندي شغل في المكتب
– ايه يا بنتي أنا عمري حورت عليكي، و بعدين أنا اساسا فاضي النهارده…. الإبتسامة ملء فيه، نبرتها الحادة تخبر أنها تشتاق لجسد هشام، قَراع النشوة يثقب جمجمتها الأنثوية
– هشام، أنا حامل
الدم تصاعد إلي وجنتيه..إتسعت مقلتيه، عروقه بها زيت ثقيل يغلي يحرق فروة رأسه …. زَفر فألكمه القدر في صدره ، طرحه أرضا علي بعد أميال في الخواء … لم يظل علي الأرض كثيراً، قام يهرب من القدر الذي يغص حلقه، كان يلاحقه داخله كجني تلبس بيه ، متكأ علي أضلاعيه، يكسرها ضلع تلو الآخر، لكنه ظل يعدو حتي فارقت سرعته سرعة القدر، حينها شعر ببطئ في كل شئ….الآن عاد يفكر
– حصل ازاي ده يا فيروز، احنا ديما واخدين إحطياتنا …. هي تصطاده الآن، تطلق وابل من النيران عليه …. لذا وجب علي الذئب المنعزل أن يستدرجها إلي وكره
– مش عارفه، احنا لازم نتقابل
– ما تخفيش هنحل الموضوع ده أكيد زي ما عدنا حاجات كتير في حياتنا، تعرفي تيجلي النهارده ؟
لطالما أحبت صوته حينما يتحدث بثبات، بعد أن تقاذفتها الأمواج حضنتها رماله
– هجيلك علي الساعة عشره …. لم تعد خائفة، وضعت بارودها جنباً…سترتمي بين ذراعيه و تغمض عيننها، علم هشام أنها علي بعد خطوة واحدة من الوكر لكنها تأتيه بسلام الآن، نص ساعة تفصلهما عن العاشرة
الدم علي باب الوكر يجلب مفترسين أكثر، كذئب منبوذ من جماعته فضل أن يرحل لوكر آخر.
أغلق معها الهاتف، ليتبعه بآخر لصديق قديم له، صلي من أعماقه أن يرد علي هاتفه ،لأن هشام لم يكن ليرد
– علي، أخبارك يا بشمهندس؟؟
– عامل ايه يا عم هشام… ما بتسألش خالص و لو برسالة
– مطحون و الله، أنت عارف الشغل في مصر، بقولك هو عرض الشغل بتاع دبي اللي كلمتني فيه الأسبوع اللي فاتت ، لسه موجود
– اه يا سيدي، خلاص عايز تيجي
– اه، أمشيلي في الورق، و هكلمك في خلال 24 ساعة من تليفون تاني علشان الخط اللي معايا في مشاكل في ملكيته في الشركة و بهقفله
– خلاص تمام، هستني منك تليفون
سل شريحة الهاتف، و رمها بعيدا …. ما زال كل شئ بطيئ، حمل ملابسه و أشيائه الثمنيه، حقيبتين في السيارة، ينظر في المرآه للخلف و هو يعلم أنه لن يدخل تلك الشقة ثانية و لن يري ذلك العامل الخبيث صاحب “خليها لبكرة يا بشمهندس هشام”، لربما ينتظر قليلا و تظهر فيروز في المرآه، تخبره أنها تحبه فقط و تنظر إليه، رما تحمل في أحشائها فتاة جميلة مثلها…. في تمام العاشرة يشق هو طريقه لبيت أمه؛ بدون المرآه