ليتها تعود …
الكاتب أحمد الصاوي

“يا ليتها إلينا رواجع”
قلتها مع زفرة حارة.
مضت لحظة صمت فظننت أنها لم تسمعني وهي تراقب الأجسام والبيوت التي تعدو للخلف، كما كانت دوماً تعشق المراقبة في صمت….
اهتزاز الحافلة جعلها ترفع رأسها من على زجاج النافذة، لتنقل عيناها إلى وجهي، ورغم أفاعيل الزمن وظلال الكآبة المهيمنة على محياها، بريق العين لم يندثر.
“ما الذي تتمني عودته”
تبتسم بعد أن تسأل؛ لتخبرني بأنها تفهمني وتعرف الإجابة مسبقاً، ولكنها تسأل فسؤال الأحبة سُلُوًّان ….
” للأسف كانت “.
– أتمني أن يعود الزمان؛ ليعود قربك، أتمني أن أعود ليتفادى كل واحد منا ما حدث.
– لتتفادي القدر!
نظراتها تعيد الماضي البعيد بشجونه وأفراحه، ماضي كانت فيه بقربي.
“ولما لا؟ فأنا لم أرضي يوماً بأن ما حدث هو قدري، هناك دوماً خطأ ما، فكيف تتركيني!! كيف؟؟”
أشاحت بوجهها عني… تباً، عينها تدمع.
– حبيبتي لم البكاء.
– أبكي السعادة.
– لا تبك… أنا هنا.
تبدلت دمعاتها بضحكة ساخرة
“لا أنت هناك، بعيد عن كل شيء”
تساؤلات عقلي صوتها يعلو، ولا أعرف الإجابة…. مهلاً…. أنا أعرف الإجابة.
“يا إلهي، لم تبعدنا الأيام بل خيانتك دمرتني”
يداي مغلولة بقيد خفي، لا أستطيع أن أقتلها.
– هل أنا خائنة؟
– بالتأكيد.
– إذا فلم تبكي ؟؟
حقاً لم أبكي.
الاهتزاز ثانية يربك الجميع ولكن رأسي على زجاج النافذة، وأتابع البيوت وهي تعدو على جانب الطريق، وهي تجلس بجانبي… ما هذا كيف تبادلنا المقاعد فجأة!!!
“إذا لما تبكي!!”
كررت سؤالها، ولكن لا أقدر على النطق، حقاً لما أبكي ؟؟
اهتزاز الحافلة يزداد، وهمهمات الركاب تحولت إلى صيحات استهجان، سائق الحافلة متوتر يجذب عجلة القيادة بعصبيه وكأنه يجاهد ليتحكم بها، ولكن لما أبكي؟!!
صرخات الراكبين اختلطت لتشكل عزفاً موحش يناسب مشهد اقتراب سيارة النقل من الحافلة بسرعة.
“لم تبكي يا عزيزي؟”
سيارة النقل اصطدمت بمقدمة الحافلة… الكل يحمي وجهه بعد انقطاع الأنفاس، الزجاج يتطاير برقه قاتله في الهواء… ببطء شديد الحديد ينبعج والمسافات تتقلص… وقوة تجذبني بعيداً.
نظرت إليها، هي لا تصرخ، ولا تنظر ناحية الموت المقترب، إنها تنظر إلى وجهي… وتبتسم.
“لقد علمت سبب بكائي”
فجأة غطي الحزن وجهها، وعيناها محتقنتان بدموع الحسرة، والزجاج المتهشم أصبح يجاور أجزاء معدنيه في الهواء ليقترب ببطئه الساخر منا.
القيد الخفي يثبت أطرافي وتلك القوة العجيبة تدفعني بعيداً، والأجزاء المتهشمة اقتربت منا بشدة، في حين قبضت هي على يدي اليمني ثم قالت بحنان جارف:
“إذا لا تبك يا قلبي، فهذا قدر “.
……

رأسي يغرق في عرق وفير، ليالي الصيف دائماً مؤرقة… ولكن هناك دموع، لا أميزها ولكن أحس بها… هل كنت نائم؟؟
أين الماء اللعين؟
جلست على جانب السرير عطشان، صورتها أمامي كبيرة مشرقه، دائماً تضحك. أو هكذا كانت دوماً، كانت تضحك.
هربت دمعة أخري لتسقط على صدري العاري، لتعبر فوق آثار الاصطدام والندب الناجمة عنه، ولكن أكبر ندبة في الداخل، بعيدة عن مسار الدمعة.
ضممت يداي وأخذت أقرأ بعض آيات القران لها، يقولون إن القران يصل إليهم هناك، أحقاً!!
وضعت رأسي ثانية على الوسادة محاولا النوم، وبنظرة أخيرة ملأت عيني بوجهها الصبوح وجه أمي.
……….
“ليتها إلينا رواجع”
و زاد الاهتزاز.