المشروع القومي لمحو أمية المسئولين في مصر …
الكاتب حسين السيد أبو حسين

لا أدري على وجه الدقة كيف يتم اختيار الوزراء و المسئولين في مصر, ربما يستيقظ رئيس الوزراء المكلف من نومه مثلا فيجري بحثا دقيقاً يراعي فيه اختيار الكفاءات العليا من ذوي المناصب الأكاديمية الممتازة و القدرات الخاصة التي مكنتهم من الحصول على درجات الدكتوراة دون المرور على حصص الصرف و النحو في المدارس, و إذا كان توم هانكس ظل طوال مدة عرض فيلم Catch me if you can يسأل ليوناردو دي كابريو عن كيفية اجتيازه الامتحان المؤهل لممارسة مهنة المحاماة و هو لم يدرس الحقوق قط, فيبدو أن رئيس الوزراء يحرص على اختيار وزرائه من نوعية دي كابريو في الفيلم ربما يكون أحدهم مبدعاً مثله, يجدها رئيس الوزراء فرصة جيدة للغاية للانفراد بالوزير و سؤاله عن ذلك السر الذي يطويه في قلبه 50 عاما على الأقل بالنظر لأعمار الوزراء في مصر, يريد دولة الرئيس أن يحصل على اجابة سؤال واحد كيف تخرج وزيره في الجامعة و حصل على الدكتوراه من دون أن يحصل ابتداء على الابتدائية؟

و اذا كانت مصر قد شهدت عصراً كانت السياسة فيه مقصورة على المفوهين و المثقفين و النخب فكان مصطفى كامل خطيباً لا تخطئ كلماته, و تبعه من بعد ذلك سعد زغلول و مصطفى النحاس و مكرم عبيد و غير هؤلاء من كبار الساسة الذين لم يقبلوا يوما سياسيا غير فصيح بينهم, فهل لأننا بلد عادل لا يظلم فيه أحد ارتأت القيادة السياسية أن تمنح الآخرين فرصتهم من باب تكافؤ الفرص و امعاناً في العدالة؟ أم أن الرحمة تملكت قلوب مسئولينا فرأوا أنه يجب منح المتخلفين لغوياً فرصة من باب الانتصار لحقوق الانسان؟

المشكلة ليست في وزير التعليم الجديد الذي لا يستطيع تفرقة بين ذال و زاي, أشفق على الرجل حقا, دفع فاتورة سنوات من الجهل كاملة, سنوات من التغاضي عن كوارث املائية في مخاطبات رسمية و جرائم نحوية في خطب سياسية و مرافعات قضائية.

الرجل لم يفعل أكثر مما فعل المستشار نبيل صليب مثلا و قد تقلد أعلى المناصب القضائية المصرية و تولى رئاسة اللجنة العليا للانتخابات فخرج ب 70 خطأ نحوي على الأقل في خطاب شهير ألقاه بشكل هزلي لا يتناسب مع منصبه القضائي الرفيع, سبق الوزير أيضاً المستشار أحمد رفعت قاضي محكمة القرن الأولى الشهير في بيانه الذي سبق النطق بالحكم على مبارك فحمل البيان عشرات من الأخطاء الاعرابية المتلاحقة, بشكل يدعو لتساؤل حقيقي حول المستوى اللغوي لشيوخ القضاء في مصر و الذي تدنى لمرحلة غير مسبوقة في التاريخ المصري الحديث, و إذا كان هذا حال شيوخ القضاء فلنا أن نتساءل في خوف حقيقي عن المستوى اللغوي لشباب القضاة.

الأمر إذا جد ليس فيه هزل, العشرات من كبار مسئولي هذا الوطن لا يعرفون نحواً و لا صرفاً و معلوماتهم عن العربية لا تتجاوز كثيرا معلومات سائقي عرباتهم الخاصة.

و اذا كان المشرع المصري قد ألزم عضو مجلس الشعب أو مجلس النواب في تسميته الحديثة طبقا للدستور الجديد بمعرفة القراءة و الكتابة فيبدو أننا في حاجة لاصدار تشريع يجبر السادة المسئولين على خوض امتحان النحو مع ابنائهم طلاب المرحلة الاعدادية مثلا, و إذا كان محرجاً للسادة من مسئولي هذه البلاد العربية بنص الدستور أن يتعلموا لغة الدولة الرسمية مع طلاب المراحل الاعدادية حفاظا على هيبتهم المعرضة للانهيار حال تحققت التوقعات و تفوق طلاب الاعدادية عليهم في الاختبارات فلا مناص إذا من الاعلان عن المشروع القومي لمحو أمية السادة المسئولين و السادة القضاة و اعادة تأهيلهم ليتمكنوا في يوم ما من اتقان اللغة العربية أعطانا الله و اياكم طولة العمر …

***

سألني أحد الخبثاء عن سر ثورتي ضد المسئولين الذين لا يجيدون العربية, فأجبت نحن أمة تتكلم و لا تفعل شيئاً, و قد وفقنا الله و حافظنا على ريادتنا في عدم الفعل, فأخشى أن نفقد ريادتنا في الكلام, فأسلم وطني لولدي لا فعل و لا كلام …

***

كان أبو الجعفر المنصور ثاني خلفاء الدولة العباسية و مؤسسها الحقيقي و أحد أعظم خلفائها.
يحكي عنه الحموي في معجم الأدباء أنه تكلم في مجلس فيه أعرابي فأخطأ الأولى فصر الأعرابي أذنيه أي نصبها للاستماع, فألحن الخليفة في الثانية أعظم من الأولى فقال الأعرابي أف, فلما ألحن الثالثة قال الأعرابي:  أشهد لقد ولِّيت هذا الأمر بقضاءٍ وقدَرٍ, يقصد ليس كفءً تشهد على ذلك أخطاؤه النحوية.

قلت ما أكثر من يحلون بنا كالقدر إذا و ينزلون علينا كالمصائب, لله في خلقه شئون.