ساعات الخطر الأخيرة … من أين أتى الرئيس و من يحكم مصر؟
الكاتب حسين السيد أبو حسين

11 فبراير 2011، الساعات الأخطر في تاريخ مصر الحديث، انتقال مباغت للسلطة من رئيس ظل قابعاً على أنفاس شعبه ثلاثين عاماً إلى مجلس عسكري جاء من الثكنات العسكرية مباشرة إلى القصر، مشهد لم تتعرض له مصر منذ الثالث و العشرين من يوليو عام 1952 عندما قرر تنظيم الضباط الأحرار ازاحة الملك و تولي مقاليد الأمور في البلاد، و عقب مناوشات انتهت بعزل أحمد فؤاد الثاني وريث العرش تحت الوصاية و حل مجلس الوصاية ثم ازاحة أول رئيس للجمهورية اللواء محمد نجيب و حبسه في فيلا زينب الوكيل جاء الرجل الأقوى في مجلس قيادة الثورة جمال عبد الناصر رئيسا للبلاد.

عبد الناصر الذي أتى مباشرة من ثكنته العسكرية ليلعب دوراً سياسياً حاسماً في تاريخ العالم أجمع عريباً و أفريقيا و أقليمياً دون تأهيل سياسي كاف حصل على تدريب سياسي قصير طوال سنتين عمل فيهم وزيراً للداخلية و عضواً و نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة، قبل أن تنتهي الأمور إلى يديه رئيساً للبلاد.

استحدث عبد الناصر تعويضاً لنقص خبراته السياسية عدة سياسات نوعية لادارة البلاد، أولاً بالاستعانة بالاخوان المسلمين كخصم سياسي للتنظيم الأكثر شعبية في البلاد وقتها حزب الوفد، و استخدام قواعدهم و كتابهم كمنصات دعاية لحركة الضباط الجديدة في المراحل الأولى التي شهدت الوفاق بين ناصر و الاخوان، ثم عمل عبد الناصر بعد القضاء على نفوذ الاخوان المسلمين على انشاء تنظيم سياسي خاص بنظام حكمه يستطيع من خلاله أن يؤدي الدور الذي كان يلعبه له الاخوان و يبني من خلاله قواعده الشعبية و جسمه السياسي في المدن و القرى و النجوع فكان الاتحاد الاشتراكي و ما لحق به للعمل مع فئة الشباب التنظيم الطليعي، و بجانب خلق الأدوات السياسية للحكم، عرف عن عبد الناصر استعانته بآراء الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل كمستشار سياسي للرئيس، و آراء زوج ابنته أشرف مروان رجل الأعمال و مستشاره الخاص، إلى جوار صديق عمره العسكري عبد الحكيم عامر.

و إلى جانب عدد من المستشاريين الرسميين من أمثال الدكتور عصمت زين الدين الذي عرف بأنه المستشار النووي للرئيس، ومؤسس قسم الهندسة النووية بجامعة الإسكندرية و غيره من المستشاريين المدنيين، استحدث عبد الناصر نظاماً جديداً للمستشارين الرئاسيين عرف باسم نظام المكاتب، مثل مكتب الرئيس للشؤون الاقتصادية ومكتب الرئيس للمعلومات والذي رأسه سامي شرف.

و في أثناء فترة حكم جمال تدرب الرئيس اللاحق محمد أنور السادات على مهام الحكم فعمل عضواً لمجلس قيادة الثورة، و رأس تحرير جريدة الجمهورية الناطقة باسم النظام، و رأس مجلس الأمة، و تولى مناصب مختلفة في الدولة كان أخرها النائب الأول لجمال عبد الناصر الذي توفي ليترك البلاد في يد السادات.

و عندما قضى السادات في 15 مايو 1971 على منافسيه في الحكم من المسيطرين على مفاصل الدولة و الاتحاد الاشتراكي و التنظيم الطليعي أمثال علي صبري، شعراوي جمعة، محمد فوزي و سامي شرف، عمل فترة باستخدام التنظيمات السياسية لعبد الناصر، ثم أنشأ لنفسه لاحقاً تنظيمات سياسية جديدة يحكم من خلالها فأنشأ حزب مصر الذي تحول فيما بعد للحزب الوطني الديموقراطي، و عرف عن السادات استعانته بعدد من المستشارين أمثال عثمان أحمد عثمان  في الشئون الاقتصادية و سيد مرعي رئيس مجلس الشعب، و علي السمان مستشار السادات للعلاقات الخارجية قبل حرب أكتوبر، و حافظ اسماعيل أشهر مستشاري السادات للأمن القومي، وحسن التهامي مستشار الرئيس للأمن القومي والشؤون الدينية، بالاضافة إلى منصور حسن الذي لمع نجمه كثيراً في عهد السادات قبل أن ينحيه مبارك عقب اغتيال السادات.

و يوم تولى مبارك حكم مصر عقب اغتيال السادات و كان قد قضى 6 سنوات تحت التدريب السياسي نائباً لرئيس الجمهورية، اعتمد بشكل كلي على التنظيمات السياسية التي ورثها عن السادات و على رجال الحزب المنتشرين بطول البلاد و عرضها ليكونوا الجسم السياسي لنظامه في ظل أباطرة سياسة و انتخابات من أمثال كمال الشاذلي و صفوت الشريف و فتحي سرور و غيرهم.

و لمعت في عهد مبارك أسماء من مؤسسته الرئاسية كان أبرزها رئيس ديوانه و مستشاره الشخصي زكريا عزمي، و موضع سره و ثقته في العشرين سنة الأخيرة قبل رحيله اللواء عمر سليمان أطول رئيس لجهاز المخابرات العامة في تاريخ مصر و مستشار مبارك الأمني و ساعده الأيمن في الشئون الخارجية، بالاضافة إلى مستشاري الرئيس الرسميين من أمثال المخضرم الدكتور أسامة الباز و الذي يعده البعض الأستاذ السياسي الأول لمبارك و الدكتور مصطفى الفقي و غيرهم.

جملة القول أنه و حتى أواخر عهد مبارك كانت البلاد تحكم من خلال تنظيم سياسي قوي على الأرض و مؤسسة رئاسة لها دعائم واضحة يعرفها المواطن كما عهدها طوال أعوام طويلة بدء من جمال نهاية بمبارك، خطيئة مبارك الكبرى كانت في أنه لم يختر أبداً نائباً للرئيس يتدرب سياسيا في أروقة الدولة و يتسلم من بعده السلطة على عادة كل رؤساء مصر من قبله وسط حالة ضبابية مائعة طرحت اسمين على الساحة ليكون أحدهم خليفة مبارك طالما أنه لم يختر بنفسه، الأول كان اللواء عمر سليمان رجل الاستخبارات القوي و مالك خيوط اللعب المصرية في الملفات الشائكة والخارجية، و الثاني كان جمال مبارك الذي ظهر و كأنه يعد ليكون أول رئيس من خارج المؤسسة العسكرية بدرجة اقتصادي مستغلا وجود أبيه في السلطة و دعم والدته المتناهي و سيطرته على مفاصل الحزب الوطني عقب ازاحة عدد من القيادات القديمة أمثال كمال الشاذلي لصالح من يوالون جمال في الحزب من امثال أحمد عز الذي افتقد للخبرة السياسية الكاسحة و الحرفنة الانتخابية للشاذلي فخربها تماماً.

و لما وجد المجلس العسكري نفسه حاكماً للبلاد، حاول الاستعانة ببعض الخبرات السياسية من أمثال الدكتور كمال الجنزوري في مرحلة من مراحل حكمه، إلا أن فترة حكمه بشكل عام تميزت بحالة من العك السياسي كنتيجة طبيعية لافتقار أعضاء المجلس العسكري للخبرات السياسية اللازمة لادارة المرحلة، و لكن اللافت في تلك الفترة هو استعانة المجلس العسكري بالحيلة القديمة و استخدام قواعد الاخوان المسلمين و مكاتبهم السياسية كذراع و جسم سياسي بديل للجسم السياسي للحزب الوطني المنحل، و عندما أتى الاخوان أنفسهم إلى الحكم استخدموا حزبهم السياسي المنبثق عن الجماعة و قواعدهم السياسية على الأرض لتكوين أدوات حكمهم طوال عام من حكم الرئيس المعزول محمد مرسي …

و في 30 يونيو انقلبت الطاولة على رئوس الاخوان، تمكنت مجموعات سياسية معارضة لهم من حشد الجماهير إلى الشارع بكثافة واسعة و استدعاء القوات المسلحة إلى المشهد عقب انذاران أطلقهم القائد العام للجيش وقتها الفريق السيسي الأول كان قبل اسبوع من الثلاثين من يونيو و الثاني كان في الأول من يوليو ليمهل النظام السياسي 48 ساعة لحل الموقف، الأمر الذي فهمه الجميع رسالة موجهة للاخوان و فهمه الاخوان وحدهم رسالة موجهة لمعارضيهم ..

و جاء القائد العام للجيش من وزارة الدفاع مباشرة إلى القصر الرئاسي دون المرور بأي مراحل تعلم سياسي واضحة، جاء عسكرياً دون حس سياسي واضح في حالة أقرب ما تكون لحالة جمال عبد الناصر، و بدلا من أن يبدأ الرئيس في بناء أذرعه السياسية و جسمه السياسي كما فعل جمال بدا الرئيس عاطفيا يريد أن يحكم بالمخاطبة المباشرة للناس دون أدوات سياسية حقيقية للمرة الأولى في تاريخ مصر السياسي، و لا يعرف المواطن المصري حتى الآن من هم مستشارو الرئيس؟، أين الشكل الهيكلي لمؤسسة الرئاسة؟، ما هي توجهات النظام على وجه التحديد هل هو رأسمالي أم اشتراكي أم ماذا لا نعرف شيئاً بوضوح و لا أحد يعرف.

يتفرد الرئيس السيسي عن كل من سبقوه من رؤساء الجمهورية المتعاقبين أنه الرئيس الوحيد الذي أتى إلى حكم مصر دون حزب سياسي و لم يحاول أن يبني واحداً، بلا برنامج معلن و استراتيجية واضحة للدولة و لم يحاول أن يضع واحداً، بلا مستشار سياسي معروف كان أو غير معروف.

الواضح أن الرئيس يعتمد على أهل ثقته من أبناء القوات المسلحة و الاستخبارات الحربية في تزويده بالمعلومات التي يبني عليها استراتيجيات حكمه، و هي من ذلك النوع من الاستراتيجيات الهلامية التي لا تستطيع على وجه التحديد معرفة أولها من أخرها.

الرئيس مطالب بأن يجيب على مجموعة أسئلة محددة قبل أن تأزف الآزفة و تداهمنا ساعات الخطر، على الرئيس أن يخبر الناس بوضوح أين نحن؟ و إلى أين نريد أن نذهب؟ و كيف سنذهب؟

اذا كان الرئيس يريد أن يكمل حياته السياسية من دون حزب سياسي و جسم سياسي واضح للبلاد فكيف سنتصرف كمجهورية من أقدم الجمهوريات في الشرق الأوسط في الأزمة الدستورية التي يصنعها تقاسم السلطات بين الرئيس و رئيس وزرائه الأمر الذي لم نشعر به طوال 60 عاماً كون رئيس الوزراء قادم من حزب الرئيس، ما هي خطة الرئيس اذا اختلف مع رئيس وزرائه؟

المشهد يزداد عبثية إذا وسعنا زاوية الرؤية فرأينا آلاف المرشحين لمقاعد البرلمان بشكل فردي دون أي حزب حاكم لهذا المولد السياسي في البلاد، اللي هو حضرتك جاي تعمل ايه هنا أنت خطتك ايه يعني؟، معرفش هي اتعملت قبل كده و نفعت …

مشهد عبثي لا يليق بجمهورية كمصر المفترض أنها كانت قبلة العلم و السياسة للوطن العربي و الافريقي كله، حتى حالة السداح مداح التي نعيشها الآن لم تنتج أحزاب بشكل واضح تتصادم انتخابيا صدام برامج و منافسة على خدمة الجماهير بقدر ما أنتجت أحزاباً تتنافس على درجة الولاء للرئيس و التقرب منه للاستفادة من شعبيته للحصول على مقاعد اضافية بشكل مزر لا يمثل شكلاً انتخابيا إلا في بلاد ما وراء الشمس و قبائل الماو ماو.  .

ما لا يدركه الرئيس أن كل ذئب يطمع الآن في نصيبه من كعكة البرلمان و الذئاب التي ستفوز ستتوحش أكثر للحفاظ على مكاسبها، و الذئاب التي ستخسر ستطالبه بثمن دعمها و إن لم كان هو كما يردد دائماً لا يحمل فواتيراً لأحد، فإن الذئاب لا تأكل اللحوم في المطاعم …

في ساعات الخطر الأخيرة قبل الانتخابات على الرئيس أن يتوقف قليلاً لينظر أين نحن و إلى أين سنذهب؟ عليه أن يفكر في وضعه هو كرئيس بلا حزب و لا مؤسسة رئاسة و لا رئيس وزراء سياسي و لا شيء لأول مرة في تاريخ مصر، عليه على الأقل أن يتعلم ممن سبقوه لحكم مصر و كلهم بالمناسبة عسكريون مثله و لكنهم رغم كل شيء حافظوا على الشكل السياسي للدولة، عليه أن يكون سياسياً لا عسكرياً ليستطيع حل التناقضات السياسية و المجتمعية و الدستورية الذي أنشأها الوضع الحالي في ظل غضب ملموس في فئة الشباب و لا كيانات شبابية لاحتواء هذا الغضب بشكل يجعل البرلمان القادم كبرلمان 2010 برلمان لفئات و غير ممثل لفئات ما يعني وضع الوطن بأكمله في وضع الخطر و السبهللة و … و اللا شيء … اللا شيء خالص.


للتواصل مع الكاتب عبر فيس بوك اضغط هنا