المشكلة الأكبر!

عندما كنّا صغارا ، كان لدينا خوف زائد من أشياء ليست موجودة أصلا مثل ”البوبع“ و ”أبو رجل مسلوخة“ ! وغيرها ، كان لدينا أيضا ونحن أطفال عناد في بعض الأمور ، كنّا نتمسك بأشياء لا تستحق كل ذلك الإهتمام ، أدركنا تلك الأمور عندما أصبحنا كبارا ، ولكن ما حدث هو أننا فعلنا نفس الأمور ولكن بصورة مختلفة ، فبدلاً أن يصبح العناد حول لعبة بلاستيك مثلا ، أصبح موجوداً حول ماتشات الكرة ، والأهلي والزمالك والريال وبرشلونة ! ، أصبحنا نعطي الأمور أكبر من حجمها الحقيقي ، أصبحنا نفتخر بالتاريخ الفرعوني والإسلامي ، ونجلس على الأريكة نمصمص الشفاة ونقول ”يا سلام ! ، ياله من تاريخ رائع !“ ، ولكن ماذا فعلنا بعدها ؟ لا شئ !

أصبحت قضايا الدين تأخذ حجماً أكبر من حجمها ، أصبح الدين عند بعض الناس مشوّشاً ، لم تعد طريقة تلقّي الدين كما كانت في السابق من دروس منظمة تبدأ بالتوحيد وإخلاص النية انتهاءاً إلى المذاهب والآراء الفقهية في المسائل الفرعية ، أصبحنا نأخذ الأمور بالمقلوب ، والإعلام والصحافة ساعدوا على ذلك كثيراً ، أصبحت مسائل فرعية من الدين تحتل مرتبة وتأخذ حجماً أكبر من حجمها الطبيعي .

أصبحت مسألة مثل اللحية تأخذ حجماً أكبر من مسألة التوحيد ! ، مما أنتج لنا مُسُوخ على هيئة بشر يأخذون بفروع الدين ويستحلّون دماء المسلمين وأعراضهم ! ، أصبحنا كالذي أراد أن يصنع سيارة رائعة ، فصنع هيكلها من الورق المقوى ثم أعطاها طلاءاً فاخراً !
تطوّر الأمرُ لدينا حتى ظننّا أن الله ينصر المسلمين لمجرّد أنهم مسلمون ! وكأن العلم والإجتهاد لا يَهُمّ ! . نحن لا نريد أن نعتقد كما يعتقد النصارى أن مجرد الإيمان بعيسى كإله سيخلصك من جميع الذنوب ! هذا ليس منطق وليست حكمة وليس عدلاً !
كبرت أجسامُنا ولكن ما زالت أدمغتنا تحتوي تلك الفقاقيع ! ، كفقاعة الكيان والجماعة ، وأنا لا أقصد هنا جماعة أو كياناً بعينه فكلنا أصبحنا نقدم مصلحة الكيانات على الحق ومصلحة الجميع !

ما أريده من وراء هذا المقال الصغير هو أن نضع الأمور في مكانها المناسب . أن نعيد ترتيب غرفة عقلنا كما نعيد ترتيب غرفة معيشتنا ! تلك هي المشكلة الأكبر التي لا تلبث أن تجعل عاليها سافلها وتقلب قيم المجتمعات ، وهي المشكلة الأخطر لأن كثيراً منّا لا يشعر بوجودها في ظل ما يبثّه الإعلام والصحافة والإنترنت ، فهي تنحدر بنا إلى سرداب مظلم لا نعرف مصيرنا فيه !

اللحية والنقاب أصبحت تأخذ مكاناً أكبر من التوحيد ! . أخبرني كم عدد الكتب والمحاضرات التي قرأتها أو شاهدتها تتحدث عن أهم قضية في الإسلام ورسالته الأولى (التوحيد) ؟ هذه هي المشكلة التي أدّت بنا الآن إلى تقديس الطواغيت !
التاريخ أصبح يحتل مكاناً أكبر من الواقع ! أصبحنا نجلس في المستنقع ونتذكّر أيّامَ كُنّا نسكن القصور ، ولا نفكر في حل عملي يُخرجنا من ذلك المستنقع !
جماعات أصبحت تهتم بالدعوة وتنسى الجهاد وأخرى تهتم بالجهاد وتنسى الدعوة وبعضهم يكفّر الآخر !

الكرة أصبحت تحتل مكاناً أكبر من تربية الأولاد ورعاية مستقبلهم ! ، فالأب أصبح منشغلاً بماتشات الكرة ويتعصب ويراهن على الفريق الفلاني ، دون أن ينظر إلى أولاده وحالهم وكيف يربّيهم على المبادئ وكيف يعلّمهم مواجهة الحياة !

الأمثلة أصبحت كثيرة وأنا لست هنا كي أسردها كلها ولكن سأنهي المقال بتعريف الحكمة :
الحكمة هي ” فعل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي “ .
غياب الحكمة ، تلك هي المشكلة الأكبر !