إنه اكس شوارع …

استوقفنى فى الصباح الباكر حين استيقاظى وخروجى لبلكونه شقتى استنشق الهواء النقى فى هذا الصباح الرائع موقف غريب, شاهدت قطة تنبش كيس قمامه أسود حوله العديد من الذباب تحاول أن تستخرج ما يسد جوعها ويساعدها على اكمال حياتها فهذه قطة شوارع ليس لها مأوى , فسألت نفسى سؤال واحد, أليس هناك طفل شوارع فى هذا الوقت يفعل كما تفعل تلك القطة وقد رأيت هذا بأم عينى من قبل, مشهد يتقطع له القلب فقد سمعت وقرأت العديد من الأخبارعن أزمة أطفال الشواع وأنها قنبلة موقوتة, فلم أجد نفسى الا أنى أدخل غرفتى وافتح ملف لأكتب هذا المقال كى أوضح فيه إكس شوارع من اطفال شوارع وقطط شوارع وكلاب شوارع وشتان الفرق بين الإنسان والحيوان ولكنى وجدت بعض النقاط التى يجب ان اسقط عليها هذا الموقف .

بينما قامت تللك القطة بهذه المعاناة لتحصل على طعامها كانت قطة مثلها مأوية عند أحد البشر تتنعم فى رغد عيشهم, على الأقل لها مأوى ومن يداعبها ويلهوى معها ويطعمها ويرعاها, قد تكون نائمة على نفس السرير معهم الأن او انها توقظهم لكى يطعمونها أو تنونو طلبا لهم أن يستيقظوا, وتعجبت من رحمه الله, فالله خلقنا طبقات حتى فى الكلاب والقطط, وطبقات كثيرة مثلما يوجد فى عالم البشر, طبقة متواضعة فقيرة تأوى القطة أو الكلب للحراسة, أسرة اخرى متوسطة العيش قد يجعلوا لها مكان مخصص للعيش وأكل مخصص لها وليس بواقى طعام من عظام ولبن كما هو فى الاسر الفقيرة, واخرى تعيش فى قصر أو فيلا مع تلك الأسرة المرفهة مرغدة العيش ميسر لها كل أساليب الحياه ويعشقون الحيوانات الأليفه من قطط وكلاب ويأوونها ويجعلون لها دكتور بيطري مخصص وغرفة مخصصة وجدول للطعام ولا يخرجونها للشارع حتى لا يتم اغتصابها من قط شوارع او كى لا تتأذى مما يوجد فى الشارع من قاذورات, فالإسقاط الأول هنا “أن الله عز وجل خلقنا طبقات كثيرة حتى فى الكلاب والقطط فهذه سنة الكون” , الإسقاط الثانى بالنسبه لإستقطاب الأغنياء لقطط وكلاب الشوارع أو قطط شرازى وكلاب غريبة النوع اجنبية وفصائل متعددة تعجز ذاكرتى عن تذكرهم ولا أشغل نفسى لحفظهم , أتذكر كلمه عبلة كامل هنا فى عودة الندلة لغادة عبد الرازق حيت كانت تتحدث عن كلبة شوارع استقطبتها وعالجتها نفسيا من أثر الإغتصاب الذى حدث لها, فقالت لها عبلة كامل “هعمل جمعية للرفق بالإنسان مش قطط وكلاب”, فقد تبدل المنطق عن الكثيرين ولا اناشد بذالك توقف مثل تلك الجمعيات عن عملها ولكنى فقط اناشدهم بالتوقف عن حماية وايواء حيوانات الشوارع والاهتمام بأطفال الشوارع .

يعتصرنى الألم عندما أرى مجرد جزء من حياة طفل شارع, يبكى قلبى ولا تقدر عيناى على البكاء فقد تحجرت دموعها واصبح قلبى ينزف من كثرة ما يرى مما يدميه, على الأقل القطط والكلاب والحيوانات عموما هذه بيئتها التى خلقت لها, لا تحتاج نظافه ولا ملابس ولا دكتور ولا رعاية خاصة الا فى الحالات القصوى وتستطيع الاعتناء بنفسها فالقطة تحفر لنفسها حفره فى الأرض لتخرج بقايل الطعام ثم تقوم بردمها, فما بالنا بطفل صغير لا يتعدى العشر سنوات معذب وقد شاب طفلا مما رأى, حمل على كاهله ما اسقطه ودارى انسانيته, تحطمت أحلامه واندثرت طموحاته وأمانيه, فقد الثقة بالناس وتحول من طفل برىء بفطرة نقية لطفل شارع يشرب سجائر ويشم قله ويسب ويشتم بأعتى الألفاظ, ثياب رثة لا ترى لونها من الطين ولا ما يلازمها من حشرات, رائحته مقززة, لا تظلمه فهو لا يجد مكانا ينظف نفسه فيه, لا يجد اما تهتم به وترعاه, لا يجد والدا يعنفه وينهاه عند غلطه, لا يجد عائلة يستقر بينهم ويعيش طفولته,تجده عابسا قد تاهت ابتسامته كما تاهت واندثرت حقوقه واختفت أحلامه, ينظر يوميا للاسر المارة بالشارع ويجد أطفالا مثله مع عائلاتهم بثياب نظيفة و وجوههم تتملكها ابتسامة صافية تنم عن الراحه النفسية وسكون القلب, تمر معانته يوميا أمام عينيه وتتمثل فى خيالاته أحلام كثيرة وتمر برأسه ألاف الأسئلة, أليس من حقه ان يكون له مأوى, عائلة, هدوم نظيفة, حضن وقبلة من أبويه , يداعبه أهله ومن يقابلونه ولا ينفرون منه كما نفعل معه الآن فهم يجدونه وحش ومجرم صغير” فى وجهة نظرهم”, انخدعنا بالمظاهر وحكمنا على أساس ما نرى وتجاهلنا أسباب ذالك, أعرف أن الشارع غير من فطرتهم ولكن ألا يمكننا إنقاذ ما يمكن إنقاذه, ألم يكفينا أننا شاركنا جميعا فيما يعانونه, لم نمد لهم يد العون ولا حتى أقل القليل حين نعاملهم, عطفنا عليهم ولم نشعرهم بآدميتهم ولا ببرائتهم, فقط أشعرناهم أنهم وباء ويجب التخلص منه, يجب دحره واخفائه من الوجود, لتسئل نفسك سؤال واحد, ماذا لو كنت ولدت أنت طفل شوارع, اليس هذا ممكن, لتجرب أن تتأمل حياته ربما يحرك ذلك قلبك المتحجر.

#إحصائيات
انتابتنى حالة من السخط والمرارة حين بدأت البحث عن إحصائيات لأطفال الشوارع فى مصر, كيف لبلد أن لا تعرف حجم المشكلة التى تعانى منها, لا توجد ألية واضحة للتعامل مع الظاهرة, عندما تعمقت بالبحث رأيت التضارب الواضح بين الإحصائيات المعلنة من المركز القومي للبحوث الإجتماعية والجنائية وبين إحصائية اليونسيف وكلها إحصائيات غير محدثة فآخر إحصائية تم إعلانها فى عهد رئيس الوزراء السابق الدكتور إبراهيم محلب أن عدد اطفال الشوارع وصل إلى 16 ألف طفل وهذا هراء واستخفاف بعقولنا, فى الوقت نفسه برغم تأكيد منظمة اليونيسيف أن عدد أطفال الشوارع في مصر يتراوح ما بين 600‏ إلى 800‏ ألف‏,‏ فإن خبراء الاجتماع يشيرون إلي أن العدد تجاوز المليون وفي تزايد مستمر‏, وأن أخطر فئة من أطفال الشوارع موجودة هى الجيل الثالث حيث قال الدكتورة نجوي خليل, وزيرة التأمينات والشئون الاجتماعية, عن أن المجتمع يواجه الآن الجيل الثالث من أطفال الشوارع, وهو الجيل الأخطر لأنه يتسم بالعدوانية وعدم الانتماء للمجتمع.
يتضح لنا من الإحصائيات السابقة أن الأرقام فى تزايد مستمر وأننا فى خطر شديد, أبناؤنا فى خطر, مستقبلنا فى خطر, حياتنا فى خطر, متى نتحرك ونكف عن التشدق بالكلمات الرنانة والسفسطة التى لا يرجى منها نفعا, دق ناقوس الخطر وإن لم نتحرك لمعالجة تلك الظاهرة المتفاقمة سيتهدم المعبد فوق رؤوسنا ولن ينفعنا وقتها النواح ولا الندم, لنتكلم جميعا بصوت إنسانيتنا ولتصدق أفعالنا على ما نتكلم به ونعاملهم بإنسانية ولتفكر للحظه أنك قد يكون وضعك الله مكانه أو يخرج ابنك هكذا فالظاهرة مصدرها الأساسى التفكك الأسرى وكلنا ليس ببعيد عن المشاكل اليومية فلنشمر عن سواعدنا ولتنطق قلوبنا بأعلى صوت, نخبر بعضنا بعضا,لنعلم أطفالنا فى المدارس وشبابنا فى الجامعات ونخبر الدولة والعالم كله “أنقذوا أطفال الشوارع”.