هندسة المجتمع – رتوش
عمر حسني كاتب المقال

ثلاثتهم مجتمعين ، ماركيز يهدينا أسس القياس الحضاري ، وتلميذ ساندال يطرح أسس أسئلته الفلسفية التي تلقاها عن بُعد ، وتجربة موحية لسوجانا ميترا تضع حجر الزاوية لهندسة مجتمعية عليك استقراء أبعادها ومعرفة كنهها قبل الترحل بين رتوشها.

“أتعلمين لِمَ المعاناة؟
الله حين خلق البشرية لم يخلقها سواء ، جعل الاختلاف سنة الكون ، ترك القُبح اختياراً قائماً ، قطعاً ليس هذا ما سبب معاناتنا ، المعاناة وليدة العِناد ، نُريد أن نختلق سنةً معاكسة لكونٍ لا نعلم عنه شيئاً ، نريد أن نختلق نموذجاً بشرياً ونحن لا نعلم عن أنفسنا شيئاً ، نرتدي ثياب المحاربين لكل ما هو قبيح ونضع معاييراً ونقاطاً وأرباحاً ، مُدعين بأن تلك هي القضية ، نترك ما نريد لنحارب ما لا نريد ، ونتناسى بأن البُعد عما نكره لم يكن وصولاً لما نحب ، وإنما نصف الطريق ، أخبرتني أمك يوماً بأن الصراخ أكثر دوياً من الابتسام ، لكن ما تفعله البسمةُ أجمل وأبقى ، فليتنا نساند الجمال بقدر ما ندعي محاربتنا للقبح .. لأن تلك هي القضية”

سنوات متوالية من الخسٓارة ، خامستها تدق الأبواب ، وضعنا لبنة هزيمتنا في أيامها الأُوّٓل حين كنا نعلم موقعنا من اليأس ، لكن لم نعلم أبداً موقعنا من الأمل.

علينا أن نُصارح أنفسنا بأن رحيل القيصر كانت الخطوة الأولى العبقرية في غير صالحنا أمام جيلٍ اعتاد الرفض حتى صار القبول مُربكاً ، فصار يجري خلف محاربة السوء ، ينتظر قرارات الإقالة بمثابة انتصارات صغيرة تنسيه انتصاراً وحيداً يُستٓحق.

رُفات أحلامنا المثالية ، ومناظراتنا حول استحقاقية أهل القضية عن أهل الكُرة ، بيع للقضية ابتغاء أثمانٌ قليلة ، فصار الإطراءُ هدفاً وتلاشت أبعاد القضية.

الإسكندرية فتاة الأحلام الصبية الموحية ، تحمل أوزارٓ من لا يحملون أوزارهم ، في رحلةٍ انطلقت من الوسامة قبل الكفاءة ، والانتباه للتصنيف قبل الاستحقاق شعارها ترامنا الخالد ، ومزيناتها واي فاي ، لتضع خاتمتها صعقات كهربائية لأحلامٍ متبقية ، وغرقٍ لآمال آتية ، ويبقى الأمر مفتعل لأننا قد صرنا مسوخ.

أحلام المراهقة بشوارعٍ أوروبية نحتفل فيها بالمطر ، نرى المياه تنزلق نحو مصارفها لترتحل لا توتحل ، كنا نراهق بأحلامنا لأننا اعتبرناها أحلاماً كمالية.

حين كنا نصرخ في منتصف الطريق منادين لعبتنا المفضلة ، فتصرفنا أمهاتنا عنها بحلوى ، فنعيد الكرّة حين يمر بنا الطريق ثانيةً منتظرين اللعبة والحلوى ، كنا أطفالاً أكثر فطنة من شبابٍ أكثر حمقاً تلهيه أخبار الاستقالة ، عن سبب الاستقالة الباق.

حين كُنا نلعب الكرة صغاراً لم يكن يُشبعنا سوى الانتصار ، وحين نفقده كُنا نتعلل بأننا لعبنا جيداً ، كبرنا وفقدنا شهيتنا للانتصار ، فتضخمت عللنا ، وصرنا نتحدث حين كان يجب علينا أن نُقدم شيئاً ، مُتناسين أن لا شأن متصل بين أصحاب الغلبة ، وأصحاب الحق ، فالحقُ نداءٌ والغلبة سجالٌ.

لم يكن شيئاً أكثر صواباً من عزوفٍ غير مقصود ، نترك فيها – بقدر – أرضاً لا نعلم شعابها ، لأرضٍ تجريبية نتعلم فيها ما فاتنا تعلمه ، نرسم أحلامنا ونستكمل ما يجب علينا استكماله ، أبواب العلم المفتوحة ذاتياً، وطرقات التطوّع أملٌ أخيرٌ ينقرض لكنه أملٌ أخير ، عسى أن نرى أشياءً أخرى لم نكن نراها ، ويمنحنا رؤيةً جديدة لم نكن نملكها.

من الحمق اعتبار الرتوش دعوة لترك مكتسبات خسرنا كثيراً لأجلها ، وأرضٌ ارتحلنا بحثاً عنها ، ليست دعوة لأن نترك من ذهبوا ، ومن ظُلِموا ، وإنما هي دعوة ، نستطيع من خلالها التحقق من أننا نملك القدرات والأشخاص الكافية لرسم مستقبل أفضل ، بدلاً من استمرار في رحلة استنزاف قوانا المنهكة في غير محلها ، مجرد دعوة لصاحب الأرض الجديدة للتوازن بين الحفاظ على أرضه وأهله ، والتيقن من احترافه الزراعة أصلاً كي لا يتركها للبوار.