الثاني عشر من شهر فبراير …

الثاني عشر من شهر فبراير
استيقظت باكرًا كعادتي وبعد انتعاشِ دوشٍ صباحيّ دافئ أحسستُ بأني متصالحةٌ أكثر مع أنوثتي، لا أدري لمَ اخترتُ قميصًا بلونِ العاج ليكشف عن أسرار جسدي مع شالٍ بلون الشوكولا يقي عُنقي لفحَ البردِ القاس.
لا أدري لمَ اخترتُ مثل هذا القميص وأنا التي تعودتُ على الملابس الفضفاضة المريحة وقتَ العمل، تصالحتُ مع أنوثتي بأن أيقظتُ علبَ مكياجي التي لم تعتد الاستيقاظ في وقتٍ مبكّر كهذا، فرشتي وألواني مسائيّة الحضور.
لم اليوم بالذات فتحتُ قنينة العطر الفارهة التي تلقيتها هدية من والدي، والتي كنتُ أخاف من أن أبدا استخدامها فتفرغ.
غردي يا رفيقة صباحاتي؛ غردي يا فيروز، فصدري اليوم بحجمِ الكون، أخبريني يا رائعة لمَ أنا منشرحةٌ هذا الصباح، موشحاتكِ الأندلسيّة أسمعُها بنغمٍ مختلف.
نصفُ ساعةٍ كانت تناجيني فيروز، تهدهدُ لهفتي لأمرٍ غامض، بعدها وصلت إلى عملي، انهمكتُ في بعض الأوراق المتكدسّة منذُ البارحة، وإذا برنين هاتف مكتبي يقطع انهماكي:
أتاني صوت أشرف؛ المراسل اللطيف عبر الهاتف:
-Happy Birthday آنستي!! يوجد لكِ هدية!
ضحكتُ وقلت في نفسي:
– أي هابي بيرث دي يا اشرف !! الله يسامحك !! في مذهبنا لا يحتفلون بأعياد الميلاد، فهي حرام وملعونٌ من يُقيم شعائرها. بالمناسبة يا أشرف… هذا ليسَ يوم مولدي؛ فأنا وُلدتُ في منتصفِ الألم تمامًا في شهر يونيو الذي هو لا شيء، ليس في البداية، وليس في النهاية، ليس حارًا جدًا، وليس باردًا جدًا، ككل شيء بلا أطراف؛ شهري هذا يحمل احتمال كل شيء.
وُلدت في يومٍ بلا ملامح، وكأن الدنيا ادخرت كل الإثارة المتوقعة في هذا الشهر وأودعتها مستقبلي.
من تذكَّرني في هذا اليوم بهدية؟ وما المناسبة؟
أشرف في طريقة إليّ الآن، سيأتيني بالخبر اليقين.
جاء بالهدية وحضرتَ أنت بكل هيبتكَ هنا.
وامتلأَ الجو بعبقِ أريجك.
تُرى كم قطعت هذه العُلبة من مسافةٍ لتصلَ من جوهانسبيرغ إلى فلسطين؟
لا زال ذوقكَ عالٍ جدًا .. مغلفةٌ برقيّ هديتُك تلك.
بدأتُ أحلّ شريطها برفقٍ، وكأنني أُميط اللثام عن تشابكَ أوردةٍ لأكشفَ عن قلبي الذي كان عبارةً عن علبةٍ فاخرةٍ من شوكولا جوديفا، معها بطاقةٌ ثقيلةٌ جدًا بأحزانكَ في غربتكَ.
“ستصلكِ هديتي في الثاني عشر من فبراير، لأنكِ المرأةُ الوحيدةُ التي يريد الحبّ أن ينفردَ بها
قبلَ العالمِ أجمع، بيومين جاءكِ فالانتاين ونَثَرَ على قلبكِ وردهُ الأحمر. بالمناسبة .. لن تريْ لونًا أحمرَ في هديتي كما جرت العادة في هذا العيد .. وقد لا تريْ أحمرَ بعدَ اليوم سوى حمرةِ شفاهكِ .. فقد استهلكَتُ المخزونَ الكونيّ من هذا اللون.
أعرفُ حبيبتي انكِ لا تؤمنينَ بهذا العيد وأعرفُ أنكِ كفرتِ بي منذ زمن. وأعرفُ أنكِ تعتقدين أنّا لسنا بحاجةٍ إلى عيدٍ لنقول لأشخاص قطفوا أفئدتنا…. نحبكم.
ولكنّي بعيد يا ملاكي ولازال قولها لكِ عصيّا، مازال حبّك يتضخّم في صدري ويتشعّب كأخطبوط التهمَ في طريقه كل المشاعر والعواطف.
بتّ في غربتي رجلاً لا أجيد شيئًا إلا أن أحبّكِ
أنا بعيدٌ يا ملاكي… وصدقًا كنتُ أحتاج مناسبةً لأقولها لكِ، ولو لم أفعل الآن لكانت أشلائي هي هديتي لك في فلسطين.
لا زلت أحبك أكثر يا امرأةً اختصرت في عينيّ كلَ النساء..
استمتعي بالشوكولا يا ملاكي!!”
يا ملاك السلام والرحمة يا أشرف !! .. أقسم أني سأكافئك على هذا الجمال الصباحي الذي أغرقتني به.
أخبرتكم البارحة عن يوم الفالانتاين الخاص بي والذي ابتكره عاشقٌ مجنون، كنت أود أن أخبركم عن داخلي حين تلقيت تلك المفاجأة الصباحيّة الفاخرة .. ولكنّي خفت.
لم اعتد مقارعة ذكرياتي مساءً فقد كنتُ بحاجةٍ إلى الكثير من ضوء الشمس لأستطيع التجول في دهاليز ذكرياتي المظلمة
مصابةٌ أنا بفوبيا الظلام؛ لذا عدت إلى جوديفا في الصباح ومع كوب قهوةٍ أيضًا.
في ذلك اليوم كانت قطعةٌ من هذه الشوكولا الفاخرة تذوب في فمي وأذوب أنا في ذكرياتك؛ صادفَ أني لم تناول شيئًا منذ أمس؛ حتى إني استغنيتُ عن أهم مكوناتي الصباحيّة؛ القهوة، لذا فقد التصقت قطعةٌ من هديتكَ في لحم جوفي مباشرةً، دارت نشوة الطعم اللذيذ وعبق الذكريات برأسي، عاد بي الزمن سنواتٍ ثلاث في بريطانيا وفي متاجر هارودز؛ ذلكَ اليوم الذي تعرفتُ فيه على جوديفا معك.
تعبتُ جدًا حتى انتزعتكَ من فلسطين حينها ففرصةٌ للقاء كتلك لا يمكن تعويضها أبدًا
اخترنا مساكن متجاورةٌ في شارع ادجوار رود؛ ترى هل كانت نيّة البريطانيين سليمة حين سموّه بشارع العرب؟
صرنا نقضي اليوم كاملاً سويّة فقط نفترق سويعاتٍ للنوم ولم يكن فراقًا بمعنى الكلمة فاتصالاتكَ المتكررة لا تجعلني أنام فعلا، في ذلك اليوم قلتُ لك:
– أريد كيت كات يقولوا اللي في لندن غير.
قلتَ لي بسخريةٍ (تعجبني كثيرًا)
– أي كيت كات يا فقريّة!! خليكي معاي وبتذوقي الشوكولا الحقيقية.
أخذتني إلى هارودز وهناك تعرفت على الفاخرة جوديفا.
استغربتُ كثيرًا من صغر العلبة وضخامة الكلفة المادية فأغلى شوكولا اشتريتها يومًا كانت جالاكسي بثلاث جنيهات.
سألتكَ لم هي غاليةٌ هكذا، لم يكن سؤالٌ كهذا يمر على نباهتكَ بسهولة، قلتَ لي وعينيك العسليّة تلمع كما هي دائما وقت الإثارة:
– لأنها ستذوب في فمك يا حلوة!!
يا رب الأكوان ممَ خلقتَ لسان ذاك الرجل؟؟ وأي لغةٍ هي لغته؟
اقتَحَمَت عليّ خلوتي معك أكثر الأشخاص الذين واجهتهم في حياتي ثرثرة؛ كانت صديقتي ياسمين على الباب:
– الله شوكولا .. ممكن أذوق؟
لم أكن أنوي أن أعطيها أصلاً فشيءٌ منك لن يكون إلا لي وحدي ولكني كنت أبحث عن عذر لائق، قلت لها وأنا أتذكر حديثًا سريًا بيننا عن بعض أنواع الشوكولا غير الحلال.
– تفضلي .. بس انتبهي فيها خمر.
امتقع وجهها وأصبحت شرقيّة بامتياز لا تستنكف عن فعل أيٍّ من الذنوب ولكنها تتوتر وتتأزّم من احتمال أن تأكل قطعة شوكولا مغموسةٍ بقليل من النبيذ.
أخذت تتمتم وهي تخرجُ من مكتبي:
– إنتِ مش صاحية يا إيلياء .. مش صاحية.
من قال لكِ إني صاحية يا ياسمين؟!!
أنا مجنونة… مجنونةٌ حتى النخاع.