انتخابات الاتحادات الطلابية، أجراس الخطر الصاخبة
الكاتب حسين السيد أبو حسين

” لو في مشكلة مع الشباب يبقى المشكلة من عندنا* ”
– الرئيس عبد الفتاح السيسي للوفد الاعلامي المرافق له أثناء مشاركته باجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي.

يعلم الرئيس بوجود مشكلة مع الشباب، يؤكد على أنها ما إن وجدت فإن الدولة مسئولة بالضرورة عنها، هذا عظيم، السؤال المنطقي هو، إذا كانت هذه هي قناعات رأس الدولة فماذا فعلت الدولة لحل المشكلة و احتواء الشباب؟
الاجابة الصادمة هي ببساطة … لا شيء.

إذا كانت هذه التصريحات الرئاسية قد صدرت في سبتمبر الماضي، لتعطي بعض المتفائلين أملاً في تغير نوعي في سياسات الدولة تجاه شبابها فإن الأحداث المتلاحقة التالية لم تكن على مستوى الآمال.

أكبر مشاكل الشباب مع النظام الحاكم هي الاحساس العميق بالتهميش، والاضطهاد مع عدم اتاحة فرصة حقيقية للمشاركة في صناعة القرارات التي ستحدد مصائرهم في الغد، الأزمة التي تجعل من الشباب غير مكترث و في بعض الأحيان شامت لأي كارثة قد يقع النظام فيها ذلك أنه لم يشترك ابتداء في القرارات التي أدت إلى تأزم الأمور.

على الجانب الأخر فإن مشكلة النظام مع الشباب تكمن في أن الجيل الأكبر الذي يتولى بطبيعة الأمور مقاليد الحكم يرى الشباب غير مؤهل لادارة الأمور، غير واع بالمخاطر، المؤامرة، خطط التقسيم … إلخ
ومن ثم فإن انفراد جيل بعينه باتخاذ القرارات، و التضييق في مساحات الحرية المتاحة أمام المشاركات الشبابية هو نابع في الأصل من عدم اقتناع الأجيال الأكبر بقدرة الشباب على حسن التصرف إذا ما أعطوا فرصاً حقيقية، القناعات التي عبرت عنها مشاريع الرئيس التالية لإعداد الشباب أو ما يعرف بالبرنامج الرئاسي لاعداد القادة الشباب، و هي بالمناسبة خطوة جيدة مشكلتها الوحيدة في سياقها الذي يأتي ليعبر عن قناعات بعدم أهلية الأجيال الأصغر ، مع عدم كون تلك الخطوة ضمن مشروع كامل للاحتواء و الاشراك السياسي.

أهمية انتخابات الاتحادات الطلابية تكمن في كونها حلاً وسطاً بين الرؤيتين، رؤية الشباب التي ترى في تصرفات النظام تهميشاً و اضطهاداً ورؤية الكبار التي ترى في الشباب تهوراً بغير خبرة، أهمية الاتحادات الطلابية تكمن في كونها كيانات شرعية تخضع لرقابة الدولة من جهة و تحقق من جهة أخرى للشباب حالة من الاستقلالية و القدرة على التمرن و اكتساب خبرات حقيقية في العمل العام و إدارة المعارك الانتخابية الساخنة، يتحمل فيها الشباب مسئولية قراراتهم ما يعطيهم الفرصة لاسقاط فرضياتهم النظرية المثالية على واقع حي واختبار مدى ملائمة تلك الفرضيات للحياة الحقيقية، الأمر الذي يحول نظرتهم للأمور تدريجياً من نظرة ثورية غاضبة إلى نظرة إصلاحية مبنية على المقدمات و النتائج بشكل أكثر منطقية في الطرح وهو ما يصب في مصلحة أي نظام يقيم رؤيته على تقبل الانتقادات ومناقشتها إذ تعتبر المناقشة هنا تنفيس عن أي غضب قد يعتري الطبقات الشابة و بديل آمن لترك حالات السخط بلا تدخل علاجي قد يؤدي لثورات غاضبة.

خلال الأيام القليلة الماضية خاض طلاب الجامعات المصرية انتخابات الاتحادات الطلابية في كلياتهم المختلفة للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاث سنوات من التأجيل، وبدلاً من أن تستغل الدولة تلك الانتخابات لاحداث حالة توافقية مع شبابها و بدلاً من أن تسعى بجدية لضم أبنائها إلى كنفها فإن تعديلات معيبة قد تمت على اللائحة الطلابية أدت إلى استبعاد أعداد واسعة من الطلاب الذين تقدموا للترشح للانتخابات بشكل بدا سيئاً و متعمدا للغاية لانجاح تيارات معينة محسوبة على الوزارة، ما زاد الطين بلة ما ذكرته بعض التقارير عن شهادات لفائزين بانتخابات الاتحادات الطلابية في محافظات مختلفة حول  اتصالات تمت بينهم و بين وزارة التعليم العالي لتوجيههم إلى انتخاب مرشحين بعينهم، إن صحت تلك الأنباء فإننا أمام كارثة متعددة الوجوه تهدد الحدود الدنيا من فكرة الدولة والمواطنة.

إن صحت أنباء دعم الوزارة لكيانات طلابية بعينها في سبيل انجاح مرشحين مختارين فإننا نصبح أمام حالة محاباة لمواطنين على حساب آخرين بالمخالفة للدستور، بالاضافة إلى اشارات حول مدى غباء من تورط في تلك المحاولات للتأثير على نتائج الانتخابات، إذ أقحم الوزارة في معركة كان من الأولى لها فيها أن تعتبر الجميع أبناءها و أن تدعم فيها الجميع انتصاراً لفكرة الوطن والدولة، كون الدولة هي أم للجميع في الطبيعي، تخلي الدولة عن دورها الطبيعي هنا وتركها مختارة لموقع الحكم في مقابل موقع الخصم دفع بها إلى هزيمة تاريخية أمام جموع الطلاب الذين انتخبوا المرشحين الغير محسوبين على الدولة نكاية في التدخلات التي تمت في العملية الانتخابية في تحد واضح لمحاولات فرض الوصاية.

البيانات الصادرة عن الطلاب بعد انتهاء العملية الانتخابية بانتخاب رئيس اتحاد طلاب جامعة القاهرة رئيساً لاتحاد طلاب مصر، ورئيس طلاب جامعة الغربية نائباً له** تدق عالياً أجراس الخطر إلى جانب آذان المسئولين في مصر، إذ تبدو نبرة الانتصار عالية مفعمة بالتحدي للوزارة منددة بموقفها الذي اعتبر بعض الطلاب أبناء و اعتبر البعض أعداء، فعلت الوزارة هذا بيدها لا بيد عمرو، ووضعت نفسها في موقف الخصم بدلاً من أن تضع نفسها في موقف المساند للطلاب، أبت الوزارة إلا أن تضع زيتاً على نار الأزمة التي تحدث عنها الرئيس مع الشباب بدلاً من أن تضع عليها ماءً بشكل كاد إن نجحت مساعي الوزارة للسيطرة على الكيان الشرعي الوحيد للطلاب أن يعطي مبرراً قوياً للبقية للانضمام إلى كيانات غير شرعية تعبر عنهم، ليصح هنا تصور الرئيس حرفياً ” لو في مشكلة مع الشباب يبقى المشكلة من عندنا “.

المشكلة الحقيقية في التضييق على الشباب، أو محاباة شباب معين دون الأخر في بلد ذي أغلبية شبابية ساحقة، أن هذه الاجراءات قد تحافظ بشكل كبير على استقرار النظام السياسي وعدم اضطراره للدخول في مناقشات حادة واسعة على المدى القصير، إلا أنها و على المدى الطويل وإن حافظت على استقرار النظام فإنها تهدم بمنتهى القوة استقرار الدولة العام و تهدد الوطن بفشل ذريع، إذ لا يتصور أحد أي نهضة حقيقية أو انجاز ملموس لأي دولة مهما بلغت عبقرية كبارها من دون الشباب، وإذا كان الكثير من المحللين يرون نظام الرئيس السيسي أقرب إلى نظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر حيث الاهتمام الواسع باحداث انجازات كبرى على الأرض في مقابل مساحات أقل من الحريات فإن هذا التصور يصطدم بعنف مع كون أي انجاز ناصري قد تحقق في الأصل بالشباب، إذ جاء عبد الناصر نفسه إلى الحكم و لم يتجاوز الأربعين بعد، و حظي الرجل بدعم وحب شبابي جارف كان جسم أي انجاز حققه نظامه، وعلى ذلك فإن أي حديث عن انجاز بدون حل جذري للأزمة مع الشباب هو محض وهم جارف، و أي تصور لامكانية اعادة إنتاج التنظيم الطليعي الناصري لاحتواء الشباب تحت جناحه خروج عن سياقات الزمن وعيش في الماضي السحيق، ما أكده حتى الاعلامي الأقرب لناصر – و كان شاباً وقتها- محمد حسنين هيكل في حديثه للاعلامية لميس الحديدي في أكتوبر الماضي عندما عبر عن قلق عميق نحو الأزمة بين الأجيال و انتقد الأزمة بين الشباب و الدولة***.

ومن ثم فإن أجراس الخطر الصاخبة تدق الآن، تستصرخ كل صاحب عقل في هذه البلاد أن يتدخل لتعديل المسارات الحالية للعلاقة بين النظام و من هم في المفترض أبناؤه من الشباب، وإذا كان ناصر قد عبر في الخمسينيات عن سياسة نظامه بسياسة إما ديموقراطية كاملة أو ثورة كاملة و اختار الثورة، و إذا كان مبارك قد عبر عن سياسات نظامه بسياسة إما ديكتاتورية كاملة أو فوضى كاملة، فإن الرئيس السيسي اليوم في هذه الظروف العصيبة لا يملك رفاهية التعبير عن سياسات في صورة معادلات صفرية، إذ أن المعادلة الصفرية مفروضة عليه هو اليوم فرضاً، إما تصحيح سريع للعلاقة مع الشباب  واشراك حقيقي في العمل العام دون محاباة، وإما استقرار قصير المدى و فشل رهيب على المدى البعيد، على النظام أن يستمع لأجراس الخطر و ليس ثم من مفر …


 

مصادر :
*تصريحات الرئيس للوفد الاعلامي في سبتمبر الماضي

**بيان الطالب عمرو الحلو نائب رئيس اتحاد طلاب مصر عقب الفوز بالانتخابات

***تصريحات محمد حسنين هيكل