جدران
نداء طارق الحلوجي

رسالة أولى:
” حبيبي التائه ..
أمازلت لا تستطيع أن تجدني صدفة؟!
لا يهم ..
فأنا مازلت أنتظرك .. بين جدارن غرفتي .. ”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الظلام ، فتاة تدفن رأسها في كفيها وتبكي ، كلما حاولتْ اختلاس النظر صرختْ “ساعدني ، فأنا أخشي الظلام” .. تدريجيًا تُبعد كفيها عن وجهها وقد أغمضت عينيها وبدأت في تحسس ما حولها .. لمستْ حائطًا .. بجزع تتراجع للخلف فتصتدم بآخر .. يزداد تنفسها بسرعة كبيرة وتمد يديّها لتلمس يمينها ويسارها .. -حائطين- لمستْ .. إنها في حجرة ضيقة .. إنها تخشى الأماكن الضيقة ، تبدأ بالصراخ: “ساعدني”.
تشعر في قدميها ويديّها بتلك الرغبة لركل الأرض والحائط اعتراضًا، لكن -إختفت قدماها .. إختفت يداها- ..
تتساءل “لماذا خرجت للشارع ؟! لماذا ؟! إنها الآن في حجرة ضيقة عقابًا علي خروجها ، ألم يحذروها من الشارع .. ففي الشارع من سيختطفها” .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تتذكر ..
فُتح بابٌ في الحائط .. رأت الضوء .. توجهت نحوه .. استجمعت قواها ، وقفت على قدميها ، خطت للأمام ..خطوة تلي خطوة .. إنه الشارع .. ممنوعة هي من الخروج إليه .. تتقدم فـ لم تجد أرضاً تحتها ، سقطت في هوة ، صرخت : “أنقذني”.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رسالة ثانية:
” حبيبي الغائب ..
أعتمد عليك في حمايتي ..
لن أحتمي طوال عمري بجدارن غرفتي ..
وحتى تأتي سأنتظرك فيها ..”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقفتْ في مرحلة ما عن السقوط .. أحدهم أمسكها من يديها وجذبها .. ربما كان حبيبها الضائع .. سألته: “أأنت حبيبي؟!” .. لم يرد ، فقط جذبها لسيارة ورحلا ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تريد أن تبكي ؛ ودمعها نَضُب ..
تريد أن تهرب ؛ وقدماها مقيدتان ..
تريد أن تحتضن نفسها ؛ ويديها كقدميها ..
تريد أن تصرخ ، وفاهُها قد ” أُغلق” ..
تشعر باقتراب أحدهم .. تسمع فحيح ثُعبان .. الظلام دامس وأحدهم هنا .. يلمسها .. يمزق ثوبها .. “ماذا يفعل؟!” .. قلبها يصرخ .. “ماذا يفعل؟!” .. أخبرتها أمها “الثعابين تقتل” .. “أهو يقتلها الآن؟!” ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملقاة على تلك الأرض الباردة .. يتسلل ضوء ضعيف من نافذة صغيرة .. تتذكر غرفتها .. حوائطها البيضاء ، سريرها ، مرآتها ، رسائلها الصغيرة .. تتذكر حكايات أمها عن ذاك الأمير الذي ينقذ الفتيات من الشر .. أوليست الثعابين شرًا أيضًا؟! ..
تتذكر أختها وهى تخبرها أن رسائلها هذه لن تصل لحبيبها أبداً .. أختها كاذبة .. فالرسائل ستصل لأميرها .. سيأتي يومًا لينقذها ..
سينقذها من أبيها الذي دومًا ما يصرخ عندما تكسر شيئًا دون قصد .. دومًا ما يقول لها أنها مريضة .. يصرخ في أمها لتُدخلها مشفى ما .. يُغلق عليها غرفتها عندما يكون في البيت أشخاص غيرها .. أختها تُخبرها أنها مصدر إحراج لهم ..
“أمى ، هل المرضى ومسببو الإحراج أمثالي أشرار مثل الساحرات؟!” تحتضنها أمها “لا يا حبيبتي ، أنتِ لست هكذا أبداً ، أنتِ من الملائكة ..” .. هي ملاك ..
تتذكر أختها وهى تُخبرها أنها في عمر الزواج لكنها لن تتزوج .. أختها كاذبة .. فأميرها قادمٌ وهى لم تتزوج حتى الآن لأنها تنتظره ..
إنها ملاك ، تنتظر أميرها الذي سينقذها من أبيها وأختها والثعابين هذه ، ولن يتركها تخرج للشارع وحدها فيجذبها أحدهم ويقيدها ويمزق عنها ثوبها ويؤلمها هكذا .. سيحميها و يُسكِنها بين جدران أخرى تختلف عن تلك التى في غرفتها ..
تنظر حولها ، تتساءل بجزع “أين جدران غرفتي؟!” ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تجلس في هذا الفضاء الشاسع شبه عارية إلا من ثوبها الممزق ، تضم قدميها لصدرها ، ويغطى شعرها الطويل ظهرها .. أمامها مرآة ، تري فيها ثوبها ذاك .. ثوبها الأبيض ، جالسٌ ولا أحد بداخله ، تسمع صوت أحدهم يُدندن:
“الصبية الزينة .. قطفوها من الجنينه ..
عروها من شرفها .. حرموها من فرحها ..
الصبية الزينة .. قطفوها من الجنينة ..”
“تريد ملابسها ، أخبرتها أمها ألا تخلع عنها ملابسها خارج حجرتها ”
تحاول أن تمد يدها لتجذب ثوبها من المرآة ..
تبكي “أين جدارن غرفتي؟!”
تسمع فحيح ثعابين .. إنهم هنا مجدداً .. تبكي خوفاً .. شعرها يسقط حولها .. تريد ثوبها من المرآة .. تمد يدها .. الثعابين هنا .. أين اختفت يدها؟! ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقتربُ منها أحدهم .. تشعر بجلده الخشن يلامس قدميها .. إنه الثعبان .. تصرخ .. يدان تنزعان عنها ثوبها الممزق .. -ليس للثعابين يدان- .. إن الثعابين تقتل .. إنه يقتلها مجدداً ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رسالة ثالثة:
حبيبي الذى لا يأتي ..
أنا الآن في البيت مجددًا ..
بين جدران غرفتي ..
أمى مريضة ودوماً ما تبكي .. وأبي لا يكف عن الصراخ فيها ..
يقول أنى جلبت للبيت العار ..
إنه لا يجعلني أرى أختي ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رسالة رابعة:
أميرى الذي سينقذني ..
لا ظلام .. ولا أماكن ضيقة ..
لا مرايا ، ولم أعد عارية ..
أشعر بقدمىّ وبيديّ ..
لماذا إذًا لم تعد تحكي لي أمي عنك الحكايات؟!
لماذا لم أعد أرى أختى ؟!
لماذا يُغلق عليّ والدي الباب ولا أحد في البيت غيرنا؟!
ماذا فعلت الثعابين بي؟! ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رسالة خامسة:
حبيبي الأمير الشجاع ..
أحبك .. وأعلم أنك يومًا ما ستأتي لي ..
ستحملني على حصانك ..
ستخرجنى من بين جدران غرفتي .. لكن ليس للشارع ..
الشارع مخيف ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الرسالة الأخيرة:
أميري ..
لماذا لا تجيب عليّ؟!
أحقاً لا تصلك رسائلي ؟!