أسطورة الذين دخلوا سجنا بلا أسوار
كاتب المقال

مشهد 1 :

أشعة الشمس لا تدخل الزنزانة … الجدران سميكة … العتمة تمنع النور … عيناك اعتادت اللا ضوء … تكيفت على الظلمة المطلقة … إن هم أشفقوا عليك منحوك مصباحا صناعيا بضوء أصفر مقزز … ترهق عينك المرهقة أصلا لترى على نوره الضعيف كف يدك … ليس مسموحا لك برؤية أي شيء سوى كف يدك … و بصيص نور المصباح الضعيف …

الأيام المتعاقبة لا تمثل فارقا … الدقائق كأنها الساعات الطوال التي لا تنقضي … تود لو أن الوقت رجلا فتقتله … ليس معك سوى نفسك … حتى نفسك سأمتها من كثرة ما اختليت بها هنا … أنت هنا منذ وقت بعيد جدا لدرجة أنك لم تعد تدرك منذ متى و أنت هنا … أقسى ما في السجن أن يكون انفراديا … أن تحرم حتى من حقك في الحديث مع أحدهم … أن تصرخ فتضيع صرخاتك سدى … كنت تغفر لو أنهم وضعوك بين أعاتي المجرمين و لم يأتوا بك هنا … حتى أسوأ البشر يمكن أن يصنعوا ونساً أكثر من الجدران المعتمة …

حالتك تسوء للغاية … وضعك المزري يزداد مرارة على مرارة … تكاد تجن لولا أن اتخذت من عالمك الافتراضي ملجأً و ملاذا … يحن عليك أحد الجلادين … يعطيك ما ترسم به على الجدران … ترسم أرضا ممتدة … طيورا بأجنحة بيضاء … سماء بلا أسوار … ترسم حبيبة لا تعرفها تناجيها و تناجيك … تكتب على جدران الزنزانة كل يوم ما يدور برأسك … تصبح جدارن الزنزانة سلواك الوحيدة … نافذتك التي لا تجد غيرها لتخرج ما في رأسك … ما أقسى البشر عندما تكون الحجارة أحن على أخيهم منهم …

بعد سنين طوال في الزنزانة تنسى العالم الحقيقي … عندما يختل عالمك يصبح الاعتدال فيه اختلالا … يصبح الجدار عالمك … و يصبح الفرض واقعك … مصباحك ذو الضوء الذابل يصبح شمسك … و عيناك المرهقة من ضوء المصباح المقيت ستعتاده لدرجة ألا تتحمل ضوء الشمس …

إن قدر لك بعد ذلك الخروج فلن تستطيع أن تحيا عالم الواقع … ستظل مرتبطا بزنزاتك و جدارك … الأطباء النفسيون هم فقط من يستفيدون من خروجك … ستحتاج الى أن تدفع لهم كثيرا كي يمكنك أن تعيش من جديد … الجدران كانت تسمع صوتك بلا أجر … ستظل تحن للجدار … الجدار لا يكذب … لا يخون … لا يقتل … الجدار يسمعك كلما أردت أن تتحدث … ليس لديه موعد محدد و ليس يسأم حديثك .. ستحب الجدار جدا و أنت موقن أن حب الجدار مرض …

مشهد 2 :

تدخل من باب بيتك الى باب غرفتك … تغلق جدرانك الأربعة على نفسك … حاسبك الآلي … مصباح اضائتك ذي الضوء الذابل … يستقبلك السجان بجملته المتكررة الأبدية … ماذا يدور برأسك ؟ … تكتب على جدارك من جديد … جدارك مجاني … و سيظل دائما مجاني … لولا أنك تتسول عليه بعض الحب … و بعض الاهتمام …

مشهد 3 :

ستدور على جدران من تعرفهم … جدرانهم باردة كجدارك … ستلتمس الدفء دوما و لن تجده … ستضاحك هذا … ستتحدث مع هذا … سترسل رسالة لأحدهم .. ستحادثه و تود لو أن الحديث يطول … لكنك ستنسحب بعد قليل … لا تدري … ربما لديه موعد محدد … ربما جاء غيرك يلتمس من بعض دفئه شيئا … الذين يجيدون حديث الجدران عملة نادرة … ما بقي فيك من خير سيمنعك من أن تستأثر بأحدهم لنفسك …

تود لو تمسك معولك لتهدم الجدار الأخير … تصب لعنتك على الذين حبسوا البشر في أكواد برمجية … سجنك جداره من كود لا من حجر …

مشهد 4 :

يحبون لو عادوا يتجمعون حول المسلسل الواحد … يودون لو يضحكون مثلما كانوا يضحكون بالأمس … يود كل منهم أن يغني من جديد … يترحمون على ذكرياتهم المشتركة … صورهم كلها قديمة لم يعرفوا الخروج معا منذ زمن … ذكرياتهم المشتركة تتلاشى … المساجين الجدد ليس بينهم مشترك … المساجين القدامى عرفوا سجونهم بعد أن ملأوا خزائن ذكرياتهم قليلا … لديهم طفولة يحنون اليها على الأقل … المساجين الجدد دخلوا سجنهم أطفال …

مشهد 5 :

عندما يختل عالمك يصبح الاعتدال فيه اختلالا … قلب الوضع المعكوس ضرورة لكي يعتدل … أول طريق العلاج التعرض لأشعة الشمس … أنجح الأدوية سماع صوت البشر … الصوت البشري رخيم و عظيم … ساعاتك الطوال التي ترسم فيها على جدارك الافتراضي ستصبح أجمل إن قضيتها مع أحدهم تحت ضوء الشمس … جلسات العلاج الجماعية ستنجح ان واظبنا على العلاج … ارفع رأسك من على الجدار … ربما إن نظرت لأعلى ترى النجوم … اتصل بصديقك القديم … انزعه من فوق جداره نزعا … اهدموا جدر العالم الافتراضي الى فسحة العالم الحقيقي … يمكنك حينها أن تتعرف على جارك الذي يسكن بجوارك منذ سنين و لا تعرفه … يمكنك أن ترسل اليه بهدية فيرسل اليك بعضا من حب لا يحتاج لبرمجة و أكواد انما يحتاج الى قلوب …

مشهد 6 :

الجدران ستعيش … لن تهدم بسهولة … من صنعوها جعلوها صلبة … من صنعها يتحداك كل يوم أن تهدمها فلا تستطيع … العالم الحقيقي مر … العالم الافتراضي حلو … بين جدران العالم الافتراضي الكل مثالي عظيم … الكل يحب الحق و الخير و الجمال … العالم الحقيقي موحش و متوحش … الأشرار يحكمون العالم الحقيقي … لأن الطيبين اعتزلوا الحقيقة الى الخيال … الشر سيحكم العالم قرونا أخرى طالما بقي الطيبون محبوسون … يخافون الخروج من الكهف …

مشهد 7 :

مسجون ومش عارف وش سجّانك
عايز تخبّط كوبايات الحبس ع القضبان
لاكن هتعمل إيه …معذور
أمريكا عملت سجن من غير سور *

مشهد 8 :

و عاد الأفندي الى موضعه و قال أنه كان مرة راكبا القطار في أوروبا , و قضى فيه يوما و ليلة دون أن ينبس ببنت شفة , لا هو و لا أحد من جيرانه المسافرين معه , كأن كل فرد منهم ابن كوكب غير كوكب الأرض , لا أنهم كلهم بشر لهم قلب واحد و عواطف واحدة .
فتنحنح شيخ في ركن الديوان و قال : بلاد مفيهاش اسلام !

تنحنح أحدهم و قال : قصدك يا سي الشيخ بلاد مفيهاش قلوب … مش زي بلدنا سواء أقباط أو مسلمين كلنا اخوان …

و لاحظ أيضا راكب أخر الأمر و كان من المتنورين فقال بكياسة ان كلمة ” اسلام ” الشائع استعمالها و ترديدها في مصر مغزاها عاطفة الرحمة و طيبة القلب و ارتباط الأفئدة , عواطف يجدها الانسان في مصر و لا يجدها في أوربا , حيث فشا في نفوس الافرنج سم النفعية و عم التكالب على المصالح الشخصية و الفردية

بقا يا حضرة الأفندي في بلاد بره الواحد يطيق ما يكلمش جاره في الوابور طيب دا الواحد منا و لا مؤاخذة يركب قطر السكة الضيقة نص ساعة ينزل عارف اللي راكبين كلهم …

الراكب من دول في أوربا يطلع السجاير و ياكل و يشرب و لا يقول لجاره أنت فين … فاستغفر الحاضرون مستنكرين و أخذ كل منهم يبدي رأيه في ذلك … **

مشهد 9 :

حلّفته آه وحَلَفت عليه
يرجع لي قبل الليل يا حمام
أصل الغيلان بيدوّروا فيه
على كل زهر جميل يا حمام
والحبل سايب
والعدل غايب
والناس ما همّاش ناس يا حمام
و الناس ما هماش ناس يا حمام  ***


* قصيدة البنكنوت لمصطفى ابراهيم
** رواية ( عودة الروح ) لتوفيق الحكيم … المنشورة عام 1933 …
*** كلمات أيمن حلمي عن أغنية فلكلورية مصرية


 

للتواصل مع الكاتب : حسين السيد أبو حسين