زجاجات فارغة
نداء طارق الحلوجي

قبو بيت قديم ، تُرك أمام بابه العجوز شيءٌ من الخبز والجبن ..

من الداخل ردهةٌ وثلاث حجرات ، حوائطٌ رطبة ينتشر عليها العفن ، سقفٌ مغطى بخيوط العنكبوت ، وأرضٌ أسمنتية فظة البرودة ..

منضدة هشة تحتل جزءًا من الردهة ، تميل بثُقلها على الحائط خلفها ، وفوقها يقبع  تلفاز قديم يصدر عنه صوتٌ مشوش ، وأمامه تجلس امرأةٌ تنظر بشرود لشاشته شبه المظلمة ، وتُمسك بمقص في يدها ، ومن حولها يتناثر المنفي من شعرها وأوراق حديثٌ عهد كلماتها ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

“أبي .. ليتك أدركتَ أن الموت لم يكن بمرض لتبحث له عن دواء .. ليتك فهمتَ أن الخلود لعنة .. ليتك تخليتَ عن بحثك وانتظرتَ الموت بهدوء مثلي .. إنه الغباء يا “أبي” أن نطمع في الخلود ؛ فلماذا قد يرغب أحدهم في أن تستمر مأساته “كإنسان” للأبد؟! .. الموت يا “أبي” رحمة لنا ، فهو الذي يُنهي مهزلة الحياة التى فُرضت علينا.. ”

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حجرةٌ مظلمة إلا من شعاع ضوء تسلل من نافذتها المغلقة .. تُقابل وجه من يدخلها ببرودة قاسية ، وأنفه برائحة نتنة .. على حوائطها تتعلق أرفف مائلة ، تكاد تُسقط ما عليها من زجاجات .. أرضها مغطاة بأوراق قَتل الإهمال حروفها .. يتدلى من سقفها حبلٌ  كالمشنقة .. بابها مفتوحٌ ؛ فيتسرب صوت التلفاز المشوش من الردهة .. “هيَ” ، تدير رأسها وتتأمل بعينيها الغائرتين المشنقة وتبتسم ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

“لطالما يا “أبي” كنت مُعترضاً .. تعترض على النهار وشمسه ، وتعترض على الليل وظلامه وقمره ونجومه .. لم تكن تضحك ، ولم تكن تبكي  .. ترفض ذاك النبض في صدرك ، وتريد أن تُخلده للأبد .. ترفض نيران شهوتك ، ولتُخمدها تزوجت “أمي” المسكينة .. وأنا ؛ لأنني فُرضت عليك ، رفضتني ، وكرهتني -كما كرهتك أنا- .. علمتُ عنك كل هذا بعد أن قرأتُ دفترك العزيز يا “أبي” ..  قرأته ، وتخلصتُ منه .. ستجد أوراقه ممزقة تفترش أرض حجرتك اِعتراضًا على بؤس ما خُط فيها ، وبُؤسي أنا حين فرضتك الدنيا “أبًا” لي ..”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تتقدم لداخل الغرفة بخطى ثابتة ، على وجهها ترتسم إبتِسامة ساخرة ،  تُمسك بواحدة من الزجاجات الفارغة التي تسكن الأرفف ، تحاول أن تقرأ ما كُتب عليها بخط قد محاه الزمن .. تفشل ؛ فتُلقيها أرضًا لتنكسر .. تتوجه للثانية ، فتفشل ، فتكسرها .. فالثالثة .. فالرابعة .. فالعاشرة .. لم يتبق سوى زجاجة واحدة ، تتوقف أمامها ، تنظر باهتمام لما كُتب عليها بخط نَجَا “علاج الموت” ، تتراجع مبتعدة عنها ، وبأقدام حافية تخطو بثبات فوق الزجاج المنكسر والأوراق البالية ، تتجاهل نزيفهما ، تصعد على كرسي وُضع في وسط الغرفة ، تجذب الحبل المتدلي وتضعه حول رقبتها ، تنظر للزجاجة الأخيرة بسخرية ، تُغمض عينيها ، تتمتم ببضع كلمات ، يبتسم وجهها بصفاء ، وتخطو للأمام ..

كانت تُحلق في الفراغ ، لا أرض تحتها ترتكز عليها ، والسماء من فوقها تمد لها بذاك الحبل وكأنه اليد التي ستُساعدها .. تجاهلت مقاومة جسدها وصراعه للبقاء على قيد الحياة .. شعرت لثوانٍ أنها حرة ، أنها تملك خيار الراحة والسلام ..

دقيقة كانت حتى سكن صدرها ، وساد صمت مطبق على الحجرة ، لم يُقاطعه سوى صوت سقوط الأرفف ومعها زجاجة الموت الفارغة ، لتُكتب النهاية لكل شيء ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

” الكون .. أن أكون محوره ، أن تكون مسئوليتي أن أُعيد وضع قوانينه من جديد ، أن أجد لكل داء  دواء ، لأمر مخيف ..

عليّ أن أجعل النهارَ ليلًا ، والليلَ نهارًا ، عليّ أن أنظم حركة الشمس ، وأعالج داء القمر فيكتمل دومًا ، علي أن أجد دواءً للموت فأحصل علي الأبدية ، ودواءً للحياة فأتخلص من الإنسان داخلي فأصبح إله .. لكن كيف؟! كيف وحوائط هذا القبو تُقيدني؟! كلما حاولت الخروج منها بطريقة أو بأخرى أعود .. أشياءٌ كثيرة تُعِيقُني ، أبي في الدور العلوي وحرصه الدائم على سجني هنا، وتلك المرأة في الحجرة المجاورة ، وابنتها التي لا تكُف عن البكاء ، بأى عقل وافقتُ أبي على الزواج من تلك الخادمة؟! وكيف تُنجب مني؟! تباً لطبيعتي البشرية وتغلبها الدائم عليّ..

لكن كل هذا سينتهي ، سأجد دواءً لكل مرض ، لكل عيب ، لكل ضعف ، وسيساعدني الكون في هذا ، سيسمع  ندائي له ، ويلبيه ، ولهذا أُحضرت له الزجاجات الفارغة ، وعما قريب سيملأها لي بدواءٍ لكل مرض ..”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ضوءٌ خافت ، حبلٌ يتدلى من السقف ، أرفف معلقة على الحوائط حاملةً لزجاجات ، في ركن الغرفة منضدة يجلس أمامها رجلٌ أربعيني ، يُمسك بزجاجة فارغة ويكتب عليها ” علاج الموت ” ، ينتهي ويضعها أمامه ويتأملها قليلاً .. يتحرك من مكانه ببطء حاملًا إياها ، ويضعها على أحد الأرفف .. يوجه نظره لجملة كُتبت على الحائط:

“والموت هو الذي يُرسلنا من الزمن إلى اللازمن .. إنه طريقنا لأبديتنا”*

ينتهى من قرائتها ويتوجه لمنضدته ، يجلس ويُمسك بالقلم ، ويكتب في دفترٍ أمامه:

“الكون لم يعد يُجيبني .. الكون تخلى عني .. لا ينصاع لي ، مازال النهارُ نهارًا ، والليلُ ليلًا ، مازال القمر مريضًا ، والشمس تختفي .. مازال جسدي بشري ، ومازالت الزجاجات فارغة -لا دواء فيها-  .. مازالت تلك المرأة تسكن الغرفة المجاورة ، لكن الطفلة كبرتْ، وصارتْ تنظر لي بكراهية ، فكان لابد أن أُصمت نظراتها عني ، وقد فعلت لتوي ، وأرسلتها لأبديتها .. والآن حان وقت ذهابي أنا أيضًا لأبديتي ، فهي لن تُهاب لي أبدًا..”

يترك دفتره ، يسحب الكرسي لمنتصف الغرفة ، يصعده ، يجذب الحبل المتدلي ويعقده حول رقبته بإحكام ، ويقفز في الهواء متأرجحًا ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

“بُنيتي ، الفشل في أن أكون “أنتِ” ، في أن أعيش عنك حياتكِ ، كان لا يُحتمل .. كما كان الفشل في أن أحميكِ ، والفشل في أن أختار لكِ أباً .. أنا من قتلتكِ ، وليس والدكِ ..

والزواج منك أنت يا “زوجي” ، كان فصل النهاية الطويل ، كنتُ لك جسد المرأة في الحجرة المجاورة ، ثم أُم الطفلة الباكية ، وبعدك صرت الأرملة الثكلى التي جعلتْ من نفسها “فقيدتها” .. أتعلم لماذا أسكنتُ في حديثها لك الكراهية؟! لأني أكرهك ، وهي لن تختلف عن أمها ..

وذاك الدفتر الذي تركته خلفك ، تفترش أوراقه الممزقة أرض حجرتك ..  تلعنك باستمرار .. وتلعنني .. لماذا ترك صغيرة لم تتجاوز العشر سنوات في البيت وحدها معك ذاك اليوم ؟! لماذا؟! .. لماذا تركتُ لشيطان مجنون ملاكًا يقتله؟! ..”

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أمام التلفاز تجلس ، تُلقي بقلم من يدها ، تَنثر حولها أوراقًا ما، تلتقط مقصًا مُلقى بجانبها ، تُمسك بشعرها وتقصه ، تنتهي فتشرد قليلًا ناظرة للتلفاز ، تتحرك متجهةً للحجرة خلفها ، تُلقى أرضًا بزجاجات فارغة تقبع علي أرفف مائلة ، تترك واحدة منهم فقط، تتحرك في اتجاه كرسي بأقدام دامية ، تصعده ، تضع حول رقبتها حبلٌ يتدلى من السقف ، تتمتم “بنيتي ، فشلت أن أحيا بدلاً عنكِ حياة عادية ، وقد وجبتْ النهاية ، أنا آتية إليكِ” ، تُغمض عينيها ، تتقدم للأمام ، تتأرجح ، صمت مطبق يُقاطعه صوت سقوط الأرفف مصطحبة معها الزجاجة -الفارغة- الأخيرة ..



*“والموت هو الذي يخطفنا من الزمن حيث اللازمن .. إنه يخطفنا للأبدية” مقولة لـ ويليام بّن

“For death is no more than a turning of us over from time to eternity… William Penn”