الخامس من يونيو … لماذا خسرنا الحرب ؟
كاتب المقال

أضحى واضحا للجميع بعد أيام قليلة من النكسة أن الأمر كان سياسيا أكثر منه عسكري … أن الهزيمة ستتكرر إن استمر الوضع على ما هو عليه … وسط اللغط العسكري حول أسباب النكسة خرجت أصوات تعلو لتقول الديموقراطية … هزمتنا الديكتاتورية و لم يهزمنا غيرها …

مشكلة الحاكم الفرد أنه مهما كان شريفا و رائعا و محبا للوطن فهو فرد يصحو كل يوم من نومه فيغامر بمستقبل ملايين , يتحكم كالقدر بالرقاب فإن أصاب اليوم فسيخطأ غدا …

هزمت مصر يوم 5 يونيو 67 لأنها دخلت اليمن لأن رئيسها أراد ذلك و فقط ارادته المنفردة جرت مصر بأكملها نحو اليمن , هزمنا لأن الرئيس استيقظ ذات صباح ليقرر و هو من كان وحده يقرر أن يحشد قواته ليدافع عن سوريا … لأنه رأى أن يغلق مضيق العقبة .. و ألا يهاجم أولا ..  هزمنا لأن جمال كان يفكر وحده و يقرر وحده بلا رقيب أو حسيب من ذا الذي يجرؤ على أن يحاسب جمال محبوب الشعب و رمزه ؟ .. هزمنا منذ  احتشد نواب الشعب ليصفقوا لجمال عندما قال في جلسة مجلس الأمة الشهيرة عام 61 أنه سيستعيد بالقوة سوريا التي انفصلت عن الجمهورية العربية المتحدة فصفقوا … و لما أوقف تصفيقهم و قال أنه كان قد عزم على استعادة سوريا بالقوة و لكنه أعاد التفكير و قرر أنه لا ينبغي أن يقتل المصري أخاه السوري صفقوا أيضا … هو ليس قرارهم على كل حال هم يعرفون دورهم جيدا  جاءوا ليصفقوا و يصفقوا فقط … و كلفنا تصفيقهم أرض العرب

هزمنا عندما تحولت مصر كلها لأصداء صوت الزعيم الملهم الذي لا يخطأ , عندما تحول نواب الشعب لمجاميع تصفيق تشبه تلك التي يحضرونها في السينما , عندما تحول الاعلام إلى بوق الرئيس و لسان الرئيس و المسبح بحمد الرئيس … عندما تحول الكتاب  إلى ثلة من منافقي الرئيس و مادحي الرئيس كشعراء الملوك في العصور السالفة ..

هزيمتنا لم تكن صدفة و لم تأت عبثا بشائرها في الأفق منذ صدق الناس أن شخصا مهما بلغت عظمته و قوته و حبه للوطن قادر وحده على أن يسعد الأمة و يخلصها منفردا من كل شقاء … هو وحده الذي يسهر لأجل راحة الشعب , هو وحده القائد الذي يجب أن تصطف خلفه الجماهير , هو وحده يرى الحق و كل معارض لحق الرئيس أو باطله خائن … هو حزب واحد قائم في مصر اما أن تكون معه أو ضده … اختياراتك المحدودة تفرض عليك السمع و الطاعة في الخطأ و في الصواب …

لما أعلن ناصر في 9 يونيو 67 تنحيه خرج الملايين إلى الشوارع يهتفون للزعيم , لا يمكن أن يتنحى , لقد قالوا لنا أنه لا قائد غيره و لا محب للوطن غيره و لا قادر على النصر سواه , منه نستلهم قوتنا و بدونه نضيع , خرج المصريون يومها لا خوفا على جمال بل خوفا على أنفسهم إن تركهم جمال …

و يوم مات الزعيم احتشد الملايين في الشوارع لوداعه , لم يكن المصريون يومها يودعون جمال الرئيس بل كانوا يبكون بحرقة جمال الأب , حرقة العيال الذين فقدوا والدهم و لا يدرون ماذا يصنعون من بعده , اليأس دخل يومها كل دار , إن لم يصنع النصر جمال فمن ذا الذي يصنعه ؟

يوم تحقق النصر تحقق لأن ايمان المصريين بأنفسهم زاد , أضحى ايمانهم بقدرتهم أعلى و أقوى من ايمانهم بأسطورة الحاكم الفرد , أطلق أنور السادات خليفة جمال وقتها حملة اعلامية ضخمة في معرض صراعه مع مراكز القوى و النفوذ من نظام عبد الناصر ركز فيها على مفاهيم مثل بناء المواطن الذي يسبق بناء الوطن و بناء الجندي الذي يسبق بناء المعدة … انتصرنا يوم وضع كل رجل في مكانه لأنه كان كفئا لمكانه … انتصرنا فقط يوم كان الرئيس محاطا بضغط الشعب و الشارع من كل جانب فلم يكن أمامه سوى النجاح … انتصرنا وقت أن رأى الرئيس أنه لا يستطيع أن يتحمل التركة وحده فجمع حوله من رجال الجيش أكفأهم و أشركهم في أمره لينجو بنفسه و بوطنه يومها و يا ليته على ذلك بقى و لم تسكره خمر النصر و تفسده شلل المنتفعين ..
خسرنا الحرب … لأن دولة يحكمها فرد ستخسر كل يوم حرب … إن لم يكن للناس لسان , إن لم يكن للحق صوت ليجأر في وجه السلطان إن أخطأ فإن الملايين سيصبحون كل يوم كفئران التجارب عرضة لتجارب و شطحات و آراء الحاكم …

مثل مصر وطني العربي كله .. هي مآساة العرب المتكررة .. صدام  استيقظ ذات صباح فغزا إيران … ثم قرر بعد سنوات أنه انتصر فتوقف و لم يحاسبه أحد .. نفس صدام استيقظ ذات صباح ليغزو الكويت و لم يحاسبه أحد … ضاعت العراق كلها لمرائي صدام و مناماته … و ضاعت ليبيا و ضاع اليمن و سقطت سوريا و السودان انقسم و القائمة تطول أأحد أخبرهم أن بلادنا إرث أبيهم ؟! …

هي بلاد تدعى بلاد العرب … يقولون أنها بلا شعب و بلا صاحب …

يوجعُني أن أسمعَ الأنباءَ في الصباحْ

يوجعُني.. أن أسمعَ النُّباحْ..

ما دخلَ اليهودُ من حدودِنا

وإنما..

تسرّبوا كالنملِ.. من عيوبنا

يا سيّدي..

يا سيّدي السلطانْ

لقد خسرتَ الحربَ مرتينْ

لأنَّ نصفَ شعبنا.. ليسَ لهُ لسانْ

ما قيمةُ الشعبِ الذي ليسَ لهُ لسانْ؟