المولد النبوي الشريف بين الصحيح و الضعيف و المكذوب
كاتب المقال

أحب الشعر الصوفي حول الميلاد الشريف و أعشق المدائح الصوفية المنتشرة , لدى الصوفيون قلوب محبة قادرة على اخراج الشعر رقراقا عذبا , و لكن الشعر غير التأريخ و التأريخ الاسلامي ينضبط بعلم الحديث , و ما يقال في باب الشعر و مقام الحب يجب أن يختلف عن ما يقال في مقام الخطابة و بناء عقيدة الطفل و الشاب و الرجل حول النبي الكريم …

اذا كان العلماء متساهلين في ما يخص ضبط صحة و ضعف أحاديث السير و المغازي ذلك أنها تروى قصصاً و ليس لها علاقة بالحل و الحرمة فإن ذلك لا يعد اذنا ضمنياً لأحد بترك الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم و الركون إلى الضعيف و المتروك الأقرب إلى الخرافة منه إلى صحيح الدين , ذلك أن العقل الاسلامي و إن كان في قرونه الأولى قبل ضعيف المرويات لظروف العصر و ندرة المعلومات فإنه لا يصح اليوم بعد قرون من التطور العقلي للمسلمين و بعد رسوخ قواعد علم الحديث أن يتركوا الصحيح لصالح الضعيف و المكذوب , لذا فإن محاولة كتابة تلك السلسلة تستهدف في الأساس محاولة ايقاظ العقل النقدي للمسلمين و الرغبة في التدقيق في المصادر و الركون إلى العلم بديلا عن الخرافة …

لم يكن المسلمون الأوائل مهتمين بضبط تاريخ ميلاد النبي و ما صاحب مولده صلى الله عليه و سلم من أحداث ذلك أن اهتمامهم الأكبر كان بالأهم وقتها في ضبط الأحكام و العلوم الاسلامية من قرآن و سنة و فقه نجد ذلك في تضارب الروايات حول تاريخ ميلاد النبي صلى الله عليه و سلم التي تنوعت إلى ما يقرب 20 رواية بتواريخ ميلاد مختلفة , أشهرها 4 روايات حصرت يوم الميلاد ما بين الثامن من ربيع الأول إلى الثامن عشر من ربيع الأول و أشهرها عند أهل التاريخ الثاني عشر من ربيع و هو المشهور عند المصريين و اختار الجمهور  18 من ربيع الأول و عند الفلكيين أنه في يوم التاسع من ربيع الأول و قال أهل الحديث بل الثامن من ربيع

و هذا التضارب في الروايات يخبرنا بداهة عن تضارب و ضعف أغلب المرويات عن ما صاحب الميلاد من أحداث عظيمة تروى على المنابر و في القصائد على أنها الحق المبين ..

و فيم يلي أستعرض بعضاً من تلك المرويات الضعيفة و المكذوبة

1) زواج عبد الله والد النبي بآمنة بنت وهب ثابت و لكن ما يروى عن لقاء عبد الله بسيدة عرضت عليه الزواج أو الوقوع عليها في الحرام مقابل 100 ناقة لأنها ترى بين عينيه نور من النبوة رواية لا تصح سندا و لا متنا

2) أنه ولد صلى الله عليه و سلم ساجدا لله أورد السيوطي في (الخصائص الكبرى) ما رواه أبو نعيم عن ابن عباس أن آمنة كانت تحدث عن نفسها وتقول: … فلما خرج من بطني نظرت إليه فإذا أنا به ساجدا قد رفع إصبعيه كالمتضرع المبتهل و الحديث فيه يحيى البابلتي وأبو بكر بن أبي مريم، وكلاهما ضعيف.

3) أنه ولد مختونا رواية ضعيفة و الأدق أنه ولد بشكل طبيعي بشر صلى الله عليه و سلم و ختنه جده عبد المطلب و أولم فرحاً بالمولود الذكر على عادة العرب

4) أن آمنة لم تجد في حمله صلى الله عليه و سلم ضعفا أو وهنا و أنها سمعت مناديا يقول لها إنك حملت بسيد هذه الأمة ونبيها.. فإذا وُضع فسميه محمدًا، قالت: فكان ذلك مما يقن عندي الحمل……” إلى آخره.. وفي إسناده الواقدي، وهو متروك الحديث.

5) الحديث عن أن آمنة وجدت صحيفة من الذهب عند رأسها فيها أعيذه بالواحد من شر كل حاسد , اسناده واه جدا

6) أنه ولد مدهونا مكحلا , ليس له أصل و الأغلب أنه مكذوب تجده في الشعر و المدائح

7) أنه صلى الله عليه و سلم كان يناغي القمر و يشير اليه باصبعه فيحركه حيثما أشار و أنه كان يلهيه عن البكاء في المهد حديث غريب السند و المتن لا يصح على الاطلاق , فيه نزعة من رومانسية شعرية تجدها في جملة كمناغاة القمر  تصلح للشعر الرقيق أكثر منها لعلم منضبط كعلم الحديث , مشكلة من يروي ذلك الحديث على المنابر أنه أغفل قول الله ” لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر و لا الليل سابق النهار و كل في فلك يسبحون ” فحرك القمر من فلكه الثابت و خالف ظاهر القرآن لرواية ضعيفة !!!

8) أن الأصنام تكسرت يوم مولده صلى الله عليه و سلم و أن هاتفاً خرج منها يبشر بولادة النبي , حديث ضعيف لا يصح

9) ارتجاس ديوان كسرى وسقوط شرفاته وخمود نار المجوس التي لم تخمد من ألف عام و غاضت بحيرة ساوة ,  قال الذهبي في السيرة النبوية (1/44):”هذا حديث منكر غريب” وذكره ابن كثير بطوله في البداية (2/249) وقال:”هذا الحديث لا أصل له في شئ من كتب الإسلام المعهودة، ولم أره بإسناد أصلا”

10 ) كذلك ما روي عن اخبار اليهود بمولده صلى الله عليه و سلم يوم ولد فهو من المرويات الواهنة

و أقول أن محمداً صلى الله عليه و سلم كسر الأصنام و أسقط ديوان كسرى و شرفاته و أخمد ناراً كانت تعبد من دون الله لكنه فعل ذلك بعد جهاد و أصحابه الكرام استمر 23 عاماً في حياته الشريفة و استمر من بعده صلى الله عليه و سلم إلى فتح بلاد فارس و الروم فإهمال كل هذا الجهد لصالح الضعيف و الأسطوري لصالح من ؟ و تصوير الرسول منتصراً بالمعجزة الخارقة لا بالجهد و العرق كأنه ليس بشراً نص القرآن على بشريته و أكد هو صلى الله عليه و سلم عليها لصالح من ؟ إن الاستمرار في السير بالعقل المسلم إلى طريق الخرافة سيؤدي إلى استمرار اعتقاد المسلم فيها و انتظاره للمعجزة المرجوة التي ستنقذه من بؤسه و هو جالس في مكانه ينتظرها … و سيظل حين ذاك جالساً  ينتظر إلى الأبد و العالم يتحرك من حوله … استقيموا يرحمنا و يرحمكم الله …


 

الحلقة الأولى من سلسلة تاريخية بعنوان ” التاريخ كما يجب أن يكون ” تهدف إلى تتبع الضعيف و المكذوب في التاريخ الاسلامي و تجميعها في سلسلة واحدة مبسطة
للتواصل مع الكاتب عبر فيس بوك : حسين السيد أبو حسين