العبقرية زاوية بين ضلعي البساطة و التعقيد
أسماء مصطفى كاتبة المقال

كثيرا ما يقع على مسامعنا لقب “عبقرى” ، وغالبا ما يطلق على عالم او مفكر …الخ ، ولكن ما هو مفهوم العبقرية ذاتها ؟
المعتاد ان العبقرية تتمثل فى الخروج عن المألوف . فالعالم فلان اخترع جهاز لم يأت احد به من قبل ، وذلك المبدع وضع نظرية س فى علم ص ولم يتوصل اليها مخلوق قبله .

يرتبط دائما مفهوم “العبقرية ” لدينا بالتعقيد البحت ، وتعمق داخلنا الى ان هيمن على حالة التعليم المصرى بل العربى ككل ، فمن لا يفهم محتوى الرياضيات او الفيزياء او الكيمياء وغيرها من المواد العلمية فانه يعتبر “غبي” لا يصلح لدراستهم والمتوقع له ان يلتحق بشعبة “ادبى” بالثانوية العامة ، وان جازف والتحق بشعبة “علمى” فانه حتما سيفشل ، هذه وجهة نظر أولى الامر من الاباء والمعلمين .

اضافة الى هذا الجمود العقلى ان مبرر المعلم فى عدم استيعاب الطالب المحتوى التعليمى هو نقص بداخله ، فالنسبة اليه ان هذا التخلف عن الاستيعاب هو مادة تسير بدم الطالب ولم ولن تنفصل عنه ، لم يخطر بباله انه من المحتمل ان يقع عبء عدم الاستيعاب والفهم عليه هو سواء بطريقته وتعقيده للمنهج المقرر او حتى سلوكه تجاه الطالب .

فليرجع كل منا الى سنواته الاولى فى الدراسة ، الم يتذكر معلما كان سببا فى كرهه لمادة ما ؟ الم يتذكر عقابا قاسيا لمجرد عدم الاستيعاب السريع ؟ بلى من المؤكد ان اكثرنا مر بهذه المواقف واثرت فيه ، ولكن ما المشكلة ؟ اهى مشكلة الطالب فى عدم الاستيعاب ؟ ام ذنب المعلم فى عجزه عن توصيل المحتوى لاضعف الطلاب ، فالاولى من المستحيل ان تكون هى المشكلة ، ام الاخرى فهى حقا المشكلة بعينها .

كثير من معلمينا عندما يشتهر بقدرته على شرح منهج معين او مادة ما ويا حبذا لو كانت علمية كالرياضيات وغيرها ، فانه فى الغالب يستطيع توصيل المادة لطلاب بعينهم ليس جميعهم ، كرأيى الشخصى : هذا لا يجوز ان يطلق عليه معلما عبقريا لان العبقرية الحقيقية والفعالة فى التبسيط ، فى قدرته على توصيل كل ما هو معقد وصعب لطالب ضعيف هذه هى العبقرية .

ليس من حق انسان ان ينادى اخر بغبى او متخلف حتى وان كان معلمه ، فمن الذى يلهم الذكاء وسرعة البديهة فى العقول حتى تتطاول انت وتقتل بداخله روح الابداع والثقة ، كم من معلم استطاع بانغلاق فكره ونظرته الضيقة محو موهبة او تعجيز تفكير او تعقيد نفس ؟؟

هذا المرض الذى يهيمن على العقول ليس مقتصرا على معلمى المدارس قط بل اساتذة الجامعات ايضا ، فالجمود والانغلاق الفكرى يواجهه الطالب فى صغره ولا يستطيع الخلاص منه حتى فى بلوغه.
ليست هذه الكارثة تصيب المجتمع المصرى والعربى فقط بل انها فكرة كانت تصيب العالم كله ، فالبعض استطاع تجاوزها كالغرب والبعض ظل غارقا فيها كمعظم الشعوب العربية وخصوصا مصر .

ففى جامعة كوبنهاجن بالدنمارك اطلق على احد الطلاب “اغبى طالب فيزياء” من اساتذته بالجامعة ، لمجرد ان اجاباته فى اختبارات الفيزياء كانت مخالفة للمنهج الدراسى ومخالفة لعلم الفيزياء على الرغم من صحتها ، فهذا الطالب لا يصلح لدراسة هذا العلم ولا يستطيع استيعابه ، وبالتالى كانت تقديراته لا تتعدى ضعيف طيلة دراسته بالجامعة ……
أتدرون من هو ؟ ؟ هو من اطلق العالم اينشتين على احدى نظرياته “التحفة الرياضية” .
العالم نيلس بور ،، فهذا العالم يستحق ان يطلق عليه لقب “عبقرى” ليس لانه وضع نظرية ما او نال نوبل فى الفيزياء فقط او لاكتشافه اليورانيوم المشع ، بل لانه بعد ان انهى دراسته بالجامعة ، بحث فى الفيزياء وجاهد لتوصيل هذا العلم للطلاب الذين كانوا يعانون معاناته ، فهذا المثال الحى اثبت لمجتمعه ان العبقرية ليست فى التعقيد ، العبقرية فى التبسيط ، فى توصيل كل ما هو صعب وغريب لسائر الطلاب .
فالعبقرية هى خلق روح الابداع والثقة لا هدم العقول وتشتيتها ، هى اجتهاد مبنى على البساطة فى الاساس وليس التعقيد .