هل تزوج النبي السيدة خديجة و عمرها 40 عاما ؟
كاتب المقال

إن سألتك متى تزوج النبي السيدة خديجة؟
ستجيب بلا شك, تزوجها و كان صلى الله عليه و سلم في الخامسة و العشرين من عمره و كانت رضي الله عنها في الأربعين من عمرها.

معلومة يعرفها كل طالب مدارس في مصر, سبق أن مر بها و لم يتجاوز عمره الثانية عشرة, عرفها في الصف السادس الابتدائي حين درس قصة السيدة خديجة و التي اختار مؤلفها رواية تقول أن السيدة خديجة كانت في الأربعين يوم تزوجها النبي و مرر قناعته تلك لملايين التلاميذ من بعده عبر سنوات متواصلة.

عشرات الشيوخ أيضاً ذهبوا مذهب مؤلف القصة المدرسية, فأخذوا يتحدثون في برامجهم و كتبهم عن الحكمة العميقة من زواج النبي من خديجة التي تكبره بخمس عشرة سنة كاملة كأن الرواية هي الحقيقة المطلقة.

أنجبت خديجة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه و سلم 6 من الأبناء 4 من الإناث أصغرهم فاطمة الزهراء أحب بنات النبي إلى قلبه الشريف قال المؤرخون ولدت قبل 5 أعوام من بعثة النبي صلى الله عليه و سلم ما يعني أن خديجة رضي الله عنها كان عمرها في ذلك الوقت 50 عاما كاملة !!!

و لم تكن فاطمة رضي الله عنها أخر ما أنجب النبي صلى الله عليه و سلم من خديجة, فقد أنجبت خديجة للنبي ذكرين القاسم و ولد قبل بعثة النبي, و عبد الله و ولد بعد بعثته صلى الله عليه و سلم ما يعني أن خديجة رضي الله عنها أنجبته و سنها يتجاوز ال 55 عاما …

علمياً فإن الأمر من الصعوبة بمكان إلا أنه ليس مستحيلاً فالمرأة العادية تصل إلى سن اليأس في الأغلب قبل هذا العمر إلا أنه هناك عشرات الحالات المسجلة لانجاب بعد ال 50 , إلا أن الأمر يصعب كثيرا إذا إفترضنا أن هناك 6 حالات ولادة تمت بعد سن الأربعين هي عدد أبناء و بنات النبي صلى الله عليه و سلم من خديجة بحسب رواية زواجه صلى الله عليه و سلم منها في سن الأربعين !!!

سيأتيك أحدهم ليقول لك بكل ثقة, هي قدرة الله على كل شيء, أتنكر السنة ؟

و هنا أتوقف فأقول ليس الهدف من هذه الحلقة من السلسلة التاريخية ( التاريخ كما يجب أن يكون ) بحث مسألة سن السيدة خديجة رضي الله عنها بقدر بحث طريقة كتابتنا و تلقينا للروايات التاريخية, تاريخياً فإن الروايات التي تحدثت عن عمر السيدة خديجة رضي الله عنها تعددت بشكل كبير فذهبت رواية إلى أنه تزوجها صلى الله عليه و سلم و كانت رضي الله عنها و عمرها 28 عاما أي أكبر منه سنا بثلاث سنوات و ليس 15 سنة كما هو مشهور في مصر, و ذهبت رواية أخرى إلى أنها توفيت رضي الله عنها في سن الخمسين و المشهور أنها توفيت في السنة العاشرة من البعثة النبوية المشرفة قال البيهقي في الدلائل و هو أصح من قولهم توفيت عن 65 عاماً, ما يعني أن عمرها يوم تزوجها النبي صلى الله عليه و سلم بحسب تلك الرواية كان 25 سنة أي في مثل سن النبي صلى الله عليه و سلم.

و في رواية أخرى قال ابن كثير رحمه الله: “.. وهكذا نقل البيهقي عن الحاكم أنه كان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تزوج خديجة خمسًا وعشرين سنة، وكان عمرها إذ ذاك خمسًا وثلاثين، وقيل خمسًا وعشرين سنة ”

أمامك عزيزي القارئ الآن 4 روايات تتحدث عن عمر خديجة رضي الله عنها تترواح من الخمسة و عشرين و حتى الأربعين عاما, بفارق 15 عاما كاملة في الحسابات و الروايات …

أي تلك الروايات صحيح؟

أفاجئك فأقول كل تلك الروايات ضعيفة, و ليس في سن خديجة رضي الله عنها وقت زواجها من النبي خبر واحد صحيح.
و السؤال هنا لم تذكر كتبنا المدرسية سناً واحداً دون أن تذكر هذا الاختلاف في الروايات علها تنمي عند أبنائها ملكة البحث عن الحقيقة و التفرقة بين الصحيح و الضعيف ؟ و إن كان لابد من اختيار سن واحد فلم يختار القائمين على التأليف أبعد الروايات عن المنطق العقلي و الطبي ليدخلوا الطلاب الذين سيصبحون بعد ذلك شبابا و رجالاً في حالة من حالات الجدل حول الإمكانية الطبية لحدوث 6 حالات حمل بعد سن الأربعين ؟

يذهب بعض المستشرقين إلى أن النبي تزوج خديجة رضي الله عنها طمعاً في مالها إذ كيف يمكن لإبن الخمس و عشرين سنة أن يتزوج إبنة الأربعين إذا كان لغير ذلك مستغلين رواج رواية زواجه صلى الله عليه و سلم منها في سن الأربعين, بجانب روايات ضعيفة أخرى تطعن في خديجة رضي الله عنها نفسها و تتحدث عن أنها سقت والدها خمراً لتخديره ليرضى بزواجها من محمد الفقير وقتها, برغم أن أغلب أهل التأريخ على أن من زوج خديجة كان عمها و ليس أبيها الذي مات قبل زواجها من النبي صلى الله عليه و سلم بسنين, فلم لا نصحح تلك المعلومات بروايات أكثر دقة زوداً عن النبي الكريم و زوجته الكاملة أول من أسلم في هذه الدنيا خديجة رضي الله عنها؟

أهم ما في هذا التفاوت الكبير في الروايات حول سن خديجة رضي الله عنها ما يمكن للباحث المدقق أن يستنبطه حول عدم اهتمام العرب في ذلك الوقت قبل 1400 عام بتحديد سن دقيق لمواليدهم أو تأريخ سن شخصياتهم العامة بدقة رغم دقتهم المتناهية في اثبات الأسانيد, و نقل الروايات و هو ما يفيد الباحث في دراسات أخرى تتعلق باثبات سن الشخصيات المراد اجراء أبحاث حولها في تلك البيئات العربية القديمة, ما يجعل الباحث المدقق أكثر حذراً و دقة في تناول مسألة السن في أبحاثه العلمية مع التفاوت الرهيب في الروايات حول هذا الأمر الذي يصل لسنوات كاملة بين الرواية و الأخرى.


الحلقة الثانية من سلسلة تاريخية بعنوان ” التاريخ كما يجب أن يكون ” تهدف إلى تتبع الضعيف و المكذوب في التاريخ الاسلامي و تجميعها في سلسلة واحدة مبسطة
للتواصل مع الكاتب عبر فيس بوك : حسين السيد أبو حسين