دولة ظهرها مكشوف ..
كاتب المقال

مصر تحارب الارهاب … لا صوت يعلو فوق صوت المعركة, أجِل كل شيء الآن و سر معي على طريق الحرب, اصطف في صف الوطن و خض معه المعركة …

العسكريون يقولون العرق في التدريب يوفر الدم في المعارك, كل جهد ادخرته في التدريب و كل تكاسل تكاسلته و كل طور اعداد أهملته ستدفعه يوم الحرب دماً, الحرب شرف و الواجب يقتضي القتال, قاتل حتى أخر نقطة دم و لا تترك سلاحك من يدك قط !!

الطبول تدق كل يوم في بيتنا, يخبرنا التلفاز عن المعركة المشتعلة, اعلامنا يقول أنه اعلام حرب, يقولون و الحماسة تملأ صفحات وجوههم نحن ظهر هذا الوطن و صوته يوم النزال, مع كل طلقة يطلقها جيشنا في سيناء, نطلق نحن طلقات هنا …

أغلق التلفاز و أمسك ورقي و أكتب إذا كان يا وطني هؤلاء ظهرك, فلماذا دوما ظهرك مكشوف ؟, و إذا كان لا بد لك يا وطني من صوت, فلماذا تختار من بين كل الأصوات صوت الخرس و صوت الصمت و صوت الألم؟ إذا كانوا يطلقون من أجلك الطلقات هنا ليساندوا جيشك في سيناء, فلماذا لا تصيب الرصاصات سوى ظهر الجيش؟

إذا كان الارهاب هو معركة الفكرة قبل أن يكون معركة البندقية, و إذا كنا نعلم من يقود معركتنا بالبندقية, فمن حقنا المطلق كشعب أن نتسائل عن الذي يقود معركة الفكرة؟

إذا كان الارهاب في مصر يتمحور حول فكرة تكفير المجتمع و وجوب مقاتلة الجيش و الشرطة فلنا أن نتساءل عن المسئول عن مناهضة تلك الفكرة في مصر من هو على وجه التحديد؟

التلفاز يقول الارهابيون يفهمون الدين خطأ و لكن أحداً لا يقول للناس أي فهم هو الصواب.
التلفاز يقول الجهاد فريضة دينية و لكن جهاد الارهاب ليس بجهاد, و لا أحد يخبرنا أي الجهاد خير.

هذه دولة يسبقها الارهاب بخطوة, يسمع الناس فيها حول الدين من الارهابيين أكثر مما يسمعون فيها حول الدين من رجال الدين!!

الرئيس يطلب تجديد الخطاب الديني, هذا أمر جيد, سيدي الرئيس وقت أن يكون هناك خطاب ديني في الأصل نعدك سنجدده.

وقت أن خاضت مصر حربها الضروس ضد الارهاب في الثمانينات و التسعينات كان للقاهرة نهجها الديني الوسطي المتفرد, نهج صلب قادر منفرداً على مواجهة دعاوى التطرف من ناحية و وافدات الالحاد من ناحية, نهج ذا طبيعة فقهية متفردة وقف بشدة أمام  نهج التكفير و التشدد و قارع حجة بحجة و منطق بمنطق, اشتبك بالفكرة قبل أن يشتبك الجنود بالسلاح و كانت رصاصاته أسبق لقلب أعداء الوطن من رصاصات الجيش أو الشرطة …

الجبهة المصرية التي ضمت في من ضمت وقتها الشيخ الشعراوي و الشيخ محمد الغزالي و الدكتور مصطفى محمود و الدكتور عطية صقر و الشيخ أحمد حسن الباقوري و غيرهم الكثيرين شكلت الخطاب الديني الذي كان له الدور الحاسم في حسر أفكار الارهاب و عرض السماحة بديلاً عن التطرف, و حققت تلك الجبهة الأزهرية وقتها نصرا حاسماً في ما عرف تاريخيا بالمراجعات الفكرية و هي المراجعات التي أجرتها الجماعات المتطرفة لمناهجها الفكرية في ذلك الوقت.

استطاعت هذه الجبهة المصرية الحقيقية أن تكون لمصر ظهراً وقت أن احتاجت لظهر و صوتاً تردد عملاقاً وقت أن احتاجت مصر لصوت و قدمت للعامة عبر التلفاز دينٌ سمح يخالف النهج الذي اختارته الجماعات التكفيرية فلم يجد الناس عناءً في الاختيار و لم يترك ظهر مصر مكشوف يومها و لا الساحة الدينية تركت خالية لدعاة التطرف يقدمون نهجهم على أنه الدين الوحيد, تحدت مصر يومها بظهرها المتين و صوت حقها العالي فانتصرت و حق لها أن تنتصر …

 

يمكننا أن نروي تلك الحكاية بفخر لأبنائنا, و لكننا و ياللأسف لا يمكننا أن نخبرهم من يخوض معركتنا الفكرية الآن؟َ!

عندما انفصلت داعش عن تنظيم القاعدة و أعلن أغلب أعضاء القاعدة البيعة لأبي بكر البغدادي بدلاً من محمد الظواهري أصدرت القاعدة عدداً من الكتب للرد على داعش و مهاجمة خلافتها المزعومة فكرياً, كتب من أمثال “وإذا قلتم فاعدلوا” لعبد الحميد المكي المعتقل في السعودية, “اللطافة في توضيح معاني الخلافة” و “الخلاصة في مناقشة إعلان الخلافة” لمحمد بن صالح المهاجر و غيرها من الكتب التي تفند موقف داعش و تنتصر لموقف تنظيم القاعدة كارهاب وسطي ضد الارهاب الداعشي المتطرف, الارهاب الوسطي الجميل, تنظيم القاعدة يرد فكرياً على داعش , تنظيم القاعدة واحد و تنظيم الدولة المصرية .. صفر .. مع الأسف.

قبل ثلاثين عاماً من اليوم من كان يقود الرأي العام في مصر؟ و اليوم من يقود الرأي العام؟ إنظر كيف كنا و إلى أين وصلنا ثم ابك على نفسك طويلاً … هذا بلدٌ أصبح ظهره اليوم مكشوفا, استبدل ظهراً من فولاذ بظهر من ورق

أيها السادة القابعون خلف أجهزة التلفاز, تشكلون الرأي العام في بلادي, صوتكم القميء أصاب البلاد بالصمم, ثقافتكم الضحلة تخلق كل يوم إرهابيا جديداً, نفاق بعضكم الذي بلغ حد الثمالة يثبت أقدام وطني في الطين…

هنا القاهرة, هنا وطن يحارب أفكار الارهاب بمزيد من برامج أكل الجو. هنا وطن ظهره مكشوف, إذا أراد فيه الجندي أن يدعو الله فعليه أن يقول اللهم اكفني شر الغباء و النفاق و ( النايل سات ) … أما أعدائي فأنا كفيل بهم …


للتواصل مع الكاتب عبر فيس بوك : حسين السيد أبو حسين