أكتوبر 1973، من انتصر؟ ( 1 )

يبدو هذا السؤال عبثيًا بالنسبة لكثيرين ممن يعتقدون بالنصر المصري بشكل جازم، يبدو منطقيًا لأولئك الذين ظهروا حديثًا على مواقع التواصل الاجتماعي يتحدثون عن التعادل في المعركة أو تذهب بهم عقولهم بعيدًا كثيرًا عن الطرف الجازم بالنصر المصري فيتحدثون عن هزيمة مصرية.
بشكل شخصي أعتقد أن الاجابة عن سؤال من انتصر تستلزم ابتداء الاتفاق على تعريف للنصر ومن خلال قياس ما حققه كل فريق بالنسبة للتعريف يمكن تحديد من انتصر، وأعتقد أن تعريف النصر باعتباره القدرة على تحقيق أهدافك من المعركة، وعدم تحقيق العدو – في المقابل – لأهدافه هو تعريف منطقي مرض لكل الأطراف، من هذه النقطة تحديدًا ومن خلال هذا التعريف يمكننا طرح الأسئلة الشائكة لنعرف في الأخير من انتصر؟ …

أولا: إلى أيث شيء هدفت القاهرة من العمليات العسكرية التي بدأتها في الساعة 1400 من يوم السادس من أكتوبر عام 1973؟

في أكتوبر من عام 2014 التقيت الفريق عبد المنعم خليل قائد المنطقة المركزية العسكرية أثناء حرب أكتوبر، ثم قائد الجيش الثاني الميداني أثناء ثغرة الدفرسوار عقب مرض اللواء سعد مأمون قائد الجيش الثاني الذي عبرت قواته لسيناء في بداية الحرب، الرجل قال لي نصًا التقينا  بالسادات في عام 1971، السادات قال لنا أريد مترًا واحدًا على  الضفة الشرقية وسأحصل على الباقي بالمفاوضات، هذه إذًا هي الاستراتيجية التي دخل المصريون الحرب بها، كانوا يعلمون جيدًا أن ما معهم من أسلحة وعتاد لا يمكنهم من تحرير كامل سيناء حربيًا وكانت خطة أنور السادات هي كسر حالة اللا سلم واللا حرب وعبور القناة ثم بدأ التفاوض أو تحرير الأرض على مراحل متتالية إذا ما فشلت عملية التفاوض الدليل على ذلك موجود في الوثائق الرسمية أو فيم يعرف باسم وثيقة الحرب ذلك التكليف السياسي الذي شنت على أساسه المعارك والذي أصدره السادات موجهًا إلى وزير الحربية أحمد اسماعيل يكلفه فيها بكسر حالة الجمود العسكري وتكبيد العدو أكبر خسائر ممكنة وتحرير الأرض على مراحل، بالنظر للأهداف الثلاثة نجحت القاهرة كليًا في تنفيذها.

التوجيه الاستراتيجي الصادر من الرئيس السادات للمشير أحمد إسماعيل

ثانيًا: ما هي أهداف اسرائيل وقت بدأت المعارك يوم 6 أكتوبر؟

القاصي والداني يعلم تمامًا أن إسرائيل اتخذت من التحصينات والاجراءات الدفاعية على طول القناة ما يجعل هدفها الاستراتيجي هو منع عبور المصريين للقناة أصلا، يتضح ذلك من استحكامات عسكرية مثل الساتر الترابي وخط بارليف الدفاعي وأنابيب النابالم التي كانت معدة لتحويل سطح القناة لشعلة نيران تمنع عبور المصريين، الاسرائيليون كانوا واثقين من استحالة عبور المصريين للقناة ولكنهم عبروا فهل حقق الاسرائيليون أهدافهم فيمكننا اعتبارهم منتصرين؟!

هنا يمكننا الانتقال  إلى نقطة أكثر عقلانية وإلى مستوى أكثر جودة من مستويات الحوار حين يقول قائل لقد كان النصر المصري حاسمًا وساحقًا حتى قرار تطوير الهجوم الذي اتخذه السادات فأدى إلى ثغرة الدفرسوار وما صاحبها من عبور إسرائيلي للضفة الغربية للقناة فأضحى الأمر عبورًا أمام عبور، وعند هذه النقطة يمكن اعتبار المعركة انتهت إلى تعادل أو اعتبار مصر منهزمة، وعلى الرغم من الوجاهة النظرية لتلك الدعوى إلا أن المغالطات المنطقية فيها متسعة للغاية إذ ينبغي هنا أن نسأل أنفسنا السؤال الأهم هل كان العبور للضفة الغربية هدفًا إسرائيليًا أصلا أم كان ضرورة دفاعية ومناورة لمحاولة اجبار القوات المصرية في شرق القناة على الانسحاب إلى الغرب مرة أخرى؟

قولا واحدًا كان قرار السادات بتطوير الهجوم خاطئًا لثلاثة أسباب رئيسية أولها أن القرار كان سياسيًا اعتدى على حق العسكريين في القرار فيم يخصهم وهو ما لا يقل خطرًا عن تدخل العسكريين في القرار المدني الذي لا يخصهم كلا الأمرين يؤدي إلى نتائج سيئة، ثانيهما أن تطوير الهجوم كان خروجًا خارج مظلة الدفاع الجوي التي كانت تحمي قواتنا البرية في ظل عجز قواتنا الجوية على توفير هذه الحماية نتيجة للتفوق الجوي الاسرائيلي الذي كنا نعوضه بتفوقنا على مستوى الدفاع الجوي، وثالثهما أن تطوير الهجوم جاء من خلال الدفع بقواتنا المدربة على تصفية الثغرة غرب القناة وكانت الاحتياطي الخاص بحماية ظهر قواتنا في الشرق متجاهلا التقارير الاستخباراتية المصرية التي قالت أن العدو يتدرب على عبور القناة من خلال الدفرسوار.

وعلى الرغم من ذلك وقولا واحدًا أيضًا كان قرار العبور الاسرائيلي للغرب قرارًا متهورًا للغاية لم تلجأ إليه القيادة الاسرائيلية إلا كحيلة دفاعية لمحاولة كسب أرض تتفاوض بها بعد النصر المصري الكاسح، غير أن الفارق بين العبور المصري والعبور الاسرائيلي هو أن عبورنا سيطر على أراضي مستقرة وفق خطتنا الرئيسية ومع خطوط امداد قصيرة قادرة على إمداد قواتنا بالماء والطعام والسلاح دون خشية تعرض هذه الخطوط للتدمير بسهولة، أما في حالة العبور الاسرائيلي فقد كان عبورهم إلى أرض مكتظة سكانيًا ما يعني دخول قواتهم حال تهورت إلى مدن مزدحمة وتحول القتال إلى قتال شوارع تخسر فيه الجيوش النظامية الحرب بسهولة، ما ثبت حين حاول الإسرائيليون احتلال السويس وما تلقوه على أيد المقاومة الشعبية من ويلات، فشل الإسرائيليون في احتلال السويس الشبه خالية من السكان والقريبة من مراكز قيادتهم ما يضمن خطوط إمداد قصيرة، فهل كان سيمكنهم احتلال القاهرة المتكدسة سكانيًا على بعد أكثر من مئة كيلو متر على الأقل من قاعدتهم الرئيسية؟! بالطبع لا …

هل كان لدينا سلاح ردع للقوات الاسرائيلية التي عبرت إلى غرب القناة من خلال الثغرة أم كان الاعتماد بشكل كلي على المقاومة الشعبية وضرب خطوط إمداد العدو؟!

في صباح 28 أغسطس 2012 رفع الأمريكيون الحظر عن وثيقة تحمل عنوان ” أسلحة نووية سوفيتية في مصر ” بعد مرور المدة القانونية للحظر، الوثيقة التي ما زالت بعض أسطرها سرية حتى الآن تحدثت عن صواريخ باليستية زودت بها موسكو القاهرة وأخفيت في كهوف طرة قبل حرب أكتوبر، وتحدثت أيضًا عن رؤوس نووية أدخلتها موسكو سرًا إلى القاهرة لردع الأسرائيلين حال تهوروا وحاولوا التقدم تجاه القاهرة، ” أرسل المصدر – الاسم محذوف فى الوثيقة بسبب السرية التامة حتى بعد السماح بالنشر – تأكيدًا بوجود منصات صواريخ «سكاد» الاستراتيجية الباليستية داخل موقعين فى القاهرة، مما يؤكد جدية التهديد المصرى برد كاسح حاسم إذا حاول الجيش الإسرائيلى اجتياح القاهرة ” وسواء كانت هذه المعلومات الأمريكية صحيحة أم سربتها المخابرات المصرية عامدة إلى الأمريكيين فإنها أدت الغرض تمامًا وجعلت من عبور الاسرائيليين إلى غرب القناة فعلا لا أهمية هجومية له على المستوى العملي إذ فشلوا في إحتلال السويس ولا يمكنهم التقدم للقاهرة والمغامرة بتعريض مدنهم لضربة نووية أو المغامرة بدفع العالم تجاه حرب نووية إذ ما قرر الأمريكيون والروس استخدام تلك الأسلحة الفاتكة ضد بعضهم البعض.

في هذه الحلقة أصبح واضحًا للقارئ أن ما حدث في الدفرسوار على الخطأ الذي ارتكبه السادات بتطوير الهجوم لا ينفي بأي حال النصر الكلي، إذ يمكن إعتبار مصر منتصرة بالنقط في هذه المعركة طالما نجحت في تحقيق أهدافها الثلاث التي حددتهم في وثيقة الحرب، في الحلقة القادمة من هذه المقالات حديث حول تطويق الجيش المصري للقوات الاسرائيلية التي عبرت القناة نحو الغرب وتحول القوات الاسرائيلية التي كانت محاصرة للجيش الثالث الميداني إلى قوات محاصَرة، خطة تصفية الثغرة التي حذرت أمريكا من تنفيذها، اتفاقات فض الاشتباك وما جرى في إسرائيل بعد فض الاشتباك والاعترافات الإسرائيلية بالهزيمة في الكنيست الإسرائيلي … 

مصادر:

1- الوثيقة الأمريكية بعنوان ” أسلحة نووية سوفيتية في مصر “

للتواصل مع الكاتب عبر فيس بوك: حسين السيد أبوحسين