محمد السمالوسي يكتب: كُن أبي!
مقال : محمد السمالوسي

الأبناء زينة الحياة الدنيا، وهبة من الله للوالدين، وريحانتهم في الجنة، فالذرية ثمار القلوب، وقرة العيون، وجهد السنين، وفلذة الأفئدة، وسند الظهور، وبسمة الأيام، وضحكة الليالي، ودمعة الروح، وبهجة الأنيس، ومسرة الجليس، ولهم يبذل الغالي والنفيس.

ومع هذا، كَثُرت في الآونة الأخيرة شكاوى الأبناء من تقصير بعض الآباء ليس تقصيرًا في المأكل والمشرب والمسكن والكساء، بل من غياب التقدير والتدعيم والتشجيع والتطهير النفسي، والترميم العاطفي، والحضن الدافئ، والكلمة الطيبة، والهمسة الراقية، واللمسة الحانية.

الأبوةُ هي حِصنُ الأبناء من الضياع، هي السّد المنيع من هجمات البشر الأعداء، هم الراحة في زمن الشقاء، والحكمة في زمن الهُراء، والفناء في سبيل البقاء.

الأبوة آمان واهتمام واحترام وليست فقط مال، هي نظرة حنونة لبنتك، كلمة مُدعمة لابنك، عبارة رقيقة تلقي بها على فلذاتك.

بعض آباء هذه الأيام أصبحت القسوة طباعهم، ربما ظروف الحياة تغيرت، ونظام تربوي خاطئ تربوا فيه، أو أنه حرمان طاغٍ من الحنان نالوه فتطبعوا بالكآبة وملازمة الأحزان، والضيق والنفور في كل الأزمان.

البنات هُن نهر الحِنيّة، ورمز المودة، وعبير الرحمة، وعطر البريّة. فاضحك في وجه ابنتك، احتضنها، اقترب منها، اعرف مشاكلها، متعها بحصنك، وكن سندًا، ارويها من ثغرك، ودفئها بجناحيك، وأمطرها بحروف المحبة، وألفاظ الرحمة، وعبارات الآمان.
أيها الوالد القاسي، الذي اتخذ التجهم شعارًا له في البيت، والعبوس وطنًا، والبسمة رمزًا في الخارج، الذي تظهر لأهلك دون ما تُظهره لأصحابك، الذين تسعد برؤية الغُرباء، وتنفرُ من رؤية الأبناء.. أنسيت خيركم خيركم لأهله!

أيها الوالد القاسي، أنت بقسوتك تُعطي أبنائك سيف الكره لقتلك في شيخوختك، لأن لابرّ لك مادمت لم تُقدمه، لاحصن لك مادمت لم تبنيه، لاقرب منك مادمت آثرت البعد.

أيها الوالد القاسي، بقسوتك تقول لابنتك: اذهبي إلى لصٍ يمنحك مشاعر وهميّة، إلى ذئب يسقيها زيف الحنيّة، إلى وغد ينهش لك عرضها، فهي تبحثُ في الخارج عمّا هي محرومة منه، وهي طفلة رقيقة، وفراشة لطيفة تؤثرها اللمسة والبسمة والهمسة، وتقلقها النظرة الشذرة، والكلمة الطاعنة، واللمسة المؤلمة.

أيها الوالد القاسي، أجمل ميراث تتركه لك هو ولد صالح يدعو لك، فتاة تقية تبتهل لك، فقل لي: هل بقسوتك تحصل على هذا الأثر، هل بعصبيتك الشريرة تنال ذكرًا أو بعبوسك تحصدُ روحًا تتعلق بذكرك.
وختامًا أقول:

اليتمُ خيرٌ من أبوة جافية، اليتمُ خير من أمراض نفسيّة تكسبها لأبنائك ولبناتك، اليتمُ وطن المحرومين، فيكفي أنهم يجدون مبررًا لنفسهم أمام العالم.. أيها الآباء القساه كفى تمزيقًا عاطفيًا لفلذات أكبادكم بعبوسكم وضيق أفقكم، وقصر نظركم، وعدم وعيكم.