الأهرامات و الثانوية العامة … لماذا لن يتقدم هذا البلد أبدا ؟
الكاتب حسين السيد أبو حسين

بالتأكيد سمعت عن أهرام الجيزة, كتبت موضوعاً تعبيرياً دراسياً ذات يوم عنها, قرأت عنها في كتب تاريخك المدرسية, و استخدمت أقلامك لترسم موضوعاً فنياً عنها في حصة الرسم المدرسي, هذا عظيم جداً و لكن هل سبق لك أن سمعت عن هرم ماسلو ؟

هرم ماسلو هي نظرية وضعها العالم الأميركي أبراهام ماسلو حاول فيها تفسير الاحتياجات البشرية و تقسيمها هرمياً ما عرف علمياً بعد ذلك باسم هرم ماسلو أو تسلسل ماسلو الهرمي للاحتياجات البشرية و إذا كانت أهرامات الجيزة مهمة لمصر, فالتنبه لما وضعه ماسلو من مبادئ نفسية أمر ملح اليوم لفهم ما يحدث في مصر  عبر سنين و للاجابة على السؤالين الأكثر أهمية للحاضر و للمستقبل,

لماذا لا نتقدم خطوة منذ سنين و العالم من حولنا يتحرك؟ و هل سيأتي اليوم الذي نرى فيه خطواتنا للامام بدلا من سيرنا المطرد للخلف ؟

و فقا لماسلو فإن حاجات الانسان الأساسية ( الفسيولوجية ) تتقدم على كل حاجة له في تسلسله الهرمي مثل حاجته للطعام و للشراب و للنوم و للجنس و للتوازن و غيرها , بعد ذلك يتحرك الانسان لتحقيق حاجته من الأمان, الأمان الوظيفي و الأسري و أمن الموارد و الممتلكات, ثم بعد أن يحقق الانسان حاجاته في الدرجتين الأولى و الثانية للهرم فإنه يتطلع لتحقيق حاجاته الاجتماعية من صداقة و ألفة و علاقات أسرية و هكذا, في الدرجة الرابعة من هرم ماسلو تجد الحاجة للتقدير و الشعور باحترام الآخرين ثم بعد حصولك عليها تصل للمرحلة الخامسة و الأخيرة و الأرقى في الهرم كله مرحلة الابتكار و الحاجة لتحقيق الذات و التي تتميز بالقدرة على الابداع و حل المشاكل و تقبل الحقائق

لعلك تفهم الآن الصورة بوضوح و لعلي لا أحتاج لحديث طويل …

هرم ماسلو

 

 

 

 

 

 

بحسب ماسلو يمكننا اعتبار مصر كدولة تعيش في الدرجتين الأولى و الثانية من الهرم, ثم حالة من التشوه النفسي في الدرجتين الثالثة و الرابعة و حالة من اللاوصول للدرجة الخامسة.

يعيش المواطن المصري حياته كلها يبحث عن تأمين احتياجاته الأولية في الدرجة الأولى من الهرم يعمل ليأكل و ينام و يجد المسكن ثم يتزوج أخيراً بعد عناء خرافي, و في سبيل الحصول على الأمان الوظيفي أو الأسري أو غيره, يقبل المصري بشروط مجحفة مثل قبول عمل حكومي ضعيف الأجر لأنه أكثر أمناً أو مرتب أقل في مقابل الحصول على تأمين و هكذا, و في الوقت الذي يعتبر فيه العالم المتقدم تلك الاحتياجات الأساسية حقاً للمواطن, يعتبرها المصري حلماً و هدفاً أسمى للحياة…

حياة المصري بشكل عام تتوقف تقريبا عن الدرجتين الأولى و الثانية من الهرم إذ تنتهي حياة المصري العادي عند انجاب الأطفال و تسليمهم بيده إلى نفس الدائرة من العمل للحصول على الاحتياجات الأساسية ثم الزواج و هكذا في دائرة لا تريد أن تنكسر, و تفهمك ببساطة لماذا لا نتقدم خطوة للامام و لماذا لن نتقدم طالما ارتضينا الدرجتين الأولتين من قاع العالم كهدف أسمى لحياتنا …

تعثرنا في فهم الأمور, و حصولنا على حقوقنا الأولية بشق الأنفس يؤثر بشكل مباشر على الدرجات الهرمية التالية
تشوه واضح في العلاقات الأسرية و الصداقات أو ما يعرف بالحاجات الاجتماعية, قتال على الحاجات الأساسية ينزع أجزاء من انسانية الأفراد معه كل يوم و يجعلك تتسائل كل يوم عن مصر القديمة و تترحم على الزمن الفائت, عهود الحب و الصداقة وسط حالة متزايدة من الحنين للماضي و النوستالجيا و التي استخدمتها شركات الدعاية في الحملات الاعلانية عن طريق استدعاء شخصيات محبوبة غير موجودة على مسرح الأحداث أو متوفاة لاستحضار الصورة الذهنية للماضي و الاستفادة من تلك الحالة النفسية العامة ..

التشوه الواضح الذي أصاب الدرجة الهرمية الثالثة ينعكس أيضا على الدرجة الرابعة و يصيب الحاجة للاحساس بالتقدير الذاتي بحالة من التشوه الواضح, تصل أحيانا لدرجات من السادية في العلاقة, يحاول فيها الطرف الأقوى زيادة ثقته بنفسه و انتزاع التقدير المجتمعي بالقوة.
هذه الرغبة في التقدير و التي تعاني التشوه العام نتيجة للتشوهات الهرمية السابقة تجعل العلاقات السادية و الرغبة في الاحساس بالتقدير تتحول لحالة مرضية متدرجة من النفاق المجتمعي الكامل, تنافق الموظف الصغير لتحصل على الخدمة نظير اشباع رغبته في الشعور بالتقدير إن كان متشبعاً من حاجته للمال و إلا اضطررت لاشباع حاجاته المادية و حاجاته للتقدير أيضاً في رشوة مصرية مزدوجة, و ينافق الموظف الصغير رئيسه و ينافق هو رئيسه ثم شبكة مترامية الأطراف من النفاق العام و الكذب العام و … بمثل هذا تسقط الدول , سلم الله مصر من الشرور.

و إذا ما ذكرت منظومات النفاق العام في مصر, ذكرت العملية التعليمية المصرية, الثانوية العامة هي دليل الأجيال الجديدة كل عام للانضمام لمنظومة النفاق المجتمعي العام و سياسات دفن الرئوس في الرمال, تكمن أهميتها الرئيسية في الحفاظ على حالة التكيف المجتمعي مع تشوهاته النفسية و ضمان عدم قدرة الأجيال الجديدة على التمرد على تلك الأحوال المنقلبة.
الهدف الأساسي من الثانوية العامة في مصر هو تحقيق حالة من حالات تحقيق الذات الغير مجدية أو موصلة لما بعدها, هدفك الأساسي هو الحصول على مجموع مرتفع بغض النظر عن مدى استفادتك مما تدرس لتحقيق هدفين رئيسيين ارضاء ذاتي لنفسك المراهقة التي يتفتح فيها الشعور بالأنا حديثا, غالبا ما تشعر بعد مجموعك المرتفع بأنك عبقري الدنيا و فذها و يمثل لك الأمر نجاحك الحاسم الأول في غمار الحياة, النجاح الذي يجعلك مركز دوران الأرض بالنسبة لمحيطك الأسري و الاجتماعي, و يحقق الهدف الثاني و هو تحقيق حالة الارضاء الذاتي لأبويك الذين يبحثان فيك عن مكان عند الدرجة الرابعة من هرم ماسلو, ثم و بغض النظر عن مجموعك في تلك الثانوية العامة اللعينة, أنت مضطر لاعادة كل الخطوات مرة أخرى في كل مراحلك التعليمية اللاحقة ليتأكد المجتمع تماماً من تكيفك مع أنظمته الحاكمة, لا تتعلم هذا أمر لا يعنينا, فقط حقق المجموع و احصل على الشهادة, استثمرها بعد ذلك لتحقق وظيفة تضمن لك مالا يضمن لك زوجة لتجد مكانك عند الدرجة الأولى من الهرم, ادخر أكثر و زد من جهدك أكثر حاول أن ترتقي قليلاً و توفر نوعاً من الأمان, أنت الآن في الدرجة الهرمية الثانية, حافظ على بعض العلاقات النفعية و الشرطية و لا تدمرها لتلبي احتياجاتك المجتمعية, ثم و بنفس الشهادة و بنفس الوظيفة و بنفس الزوجة و بنفس الأموال حقق نوعاً من التقدير الذاتي و اجعل الناس يحسدونك على اللاشيء الذي حققته في مجتمع اللاشيء … مبروك أنت الآن مواطن مصري صالح لن يقترب أبداً في الأغلب من الدرجة الخامسة من درجات الهرم, لن يبتكر شيئاً, لن يحل مشكلة, لن يقبل حقيقة ببساطة لأنه لم يهيء يوما لذلك كل ما تعلمه في حياته لم يكن هدفه ابتكار أو حل مشكلة أو قبول حقيقة , سينكر كل مشاكله بهدوء و باستماتة و سيحملها سعيدا للأشباح و للظلال و الخيالات , للمؤامرات و الأيدي الخفية , سيظل مؤمناً دوماً أنه لا يتقدم بسبب المؤامرة الكونية عليه, و سيحلم للأبد بيد المنقذ الذي سيأتيه ذات يوم لينتزعه من بين يدي الأشرار .. و سيطول الانتظار طالما لم نقرر أن نفيق من غيبوبتنا الطويلة .. سنظل في القاع طالما لم ندرك أن كل جهد بشري لا يستهدف في النهاية احداث تأثير و تغيير مجرى الحدث و ايجاد قيمة مضافة قلته أفضل ..


للتواصل مع الكاتب عبر فيس بوك : حسين السيد أبو حسين