مطاردة النسيم
الكاتب عمران ابراهيم

الفراغ الذي جعلني أقفز من محطة تلفازية إلى أخرى هرباً من اللحظة السوداء القاتمة بين المحطة والمحطة الأخرى.. ذلك الجزء من الثانية أشبه بالسير في مركب تداعى واهترأ من الركاب قبل أن يضع الزمان الأزهار والصبار على قبره، يترنح على النهر مثل سكران خرج من حانة في سان بطرسبرج وهواء ديسمبر ينفجر في وجهه. بلغ من الفكر ما يجعله يرى أن مياه بحر البلطيق هي أكثر ما سيوفر له الدفء والحنان ولا يعرف أي مسار يسلك.. بين تماسيح تشتاق لالتهام اللحم البشري يسير المركب والتيار يتحكم به وجل وأعظم الهدف هو أن أبتعد عن التماسيح..أبتعد عن الفراغ ..الفراغ القابع بداخلي!

هاهو مهرج آخر صاحب ابتسامة بيضاء بورسلين بلهاء يتحدث عن كم أن الحياة جميلة وعلينا أن نحقق أحلامنا ونسعى ونثابر في برنامج فنى يستعرض حياة نجوم بلاستيكية أيضاً حيث يكون نصف أعضائهم الخارجية تسبب القلق والارتياب لملائكة الموت.. أحياناً أظن أن وضع رصاصة في منتصف جبين هولاء الأشخاص سيصبح شئ له معنى.

قد استرعى انتباهي جيداً أن الهند لم تعد أمة بلاستيكية بالشكل الصحيح بعد، الفقر والجهل والمرض بالتأكيد يحول دون تحولها إلى دولة بلاستيكية بشكل كامل، لكن دعنا نقضي على آخر ذرة أمل تطير في الهواء ولا ننسى أن
الاسكندنافيين يوماً كانوا أمة نسيت أنها أمة تغزو البحار وتحارب الوحوش والجيوش لمستوى من الشجاعة وعدم الخوف من الموت تصل إلى أن الجنود كانوا لا يدخلون الحرب إلا كما ولدتهم أمهاتهم.. عرايا لا يحملوا سوى السيوف، الآن هم في عالم بلاستيكي رقمي صافي مئة بالمائة.
الناس أصيبت بعدوى الاستهلاك.. الدول النامية أكثر من المتقدمة من لا يحتاج السلعة أكثر ممن يحتاجها.

في هذا الزمن بطريقة ما قد تستطيع أن تضع الفروق بين بني الجنس الواحد في مواصفات شكله وجسمه وطريقة ملابسه والفشل سيكلل مجهودك في أغلب المحاولات، الكل يسعى لأن يكون هوليوودي الشكل والنزعة والتفكير.. لماذا يعتقد الجميع أن مواصفات بنو العم سام البلاستيكي المتصنع الأبيض ذو الأنف المتوسط الطول الرفيع هي المثال الأعلى للجمال؟؟! ..حتى أصحاب البشرة السمراء يقتنعون بذلك و إذا حالفك الحظ يوماً ووجدت نفسك أمام محطة تلفازية تبث من السودان عن طريق سوق العتبة أو كما هو معروف بالقمر الإصطناعي النايل سات، لتجدن أغلب الإعلانات تسير في فلك (مستحضرات تفتيح البشرة) على نحو جيد تتساوى مع كمية إعلانات تحسين القدرة الجنسية في القنوات المصرية، حقاً كل يغني على ليلاه.

العالم الرقمي بشكل عام ومواقع التواصل الاجتماعي بشكل خاص وضعت سداً صلبا وعملاقا يحجب الشمس عن الأرض لم يصنع لم مثيل من قبل أي ديكتاتور خط بدم ضحاياه في صفحات التاريخ.. تقييد العلاقات و الانفعالات العاطفية بين البشر وإخراجها في عدة رموز إلكترونية شئ في غاية القساوة، قد تمنع الأنظمة القبلات أو العناق أو حتى مصافحة اليد لكن إلى أن تصل أن تمنع التواصل وجهاً لوجه والحرمان من متعة النظر إلى أديم من تحب. ولجوء الجميع إلى جعل ذاته أسطورة إلكترونية ذات مغامرات وهمية والتشبه والتشبث بأسلوب حياة ليس فيه من شئ هذا حقاً مقرف!

الجميع يلتقط الصور مع كل شئ تقريباً والجميع يبتسم والجميع يفرح ويوثق في حياته ماهو عظيم و تافه من خلال الشاشات البلاستيكية.. الجميع يريدك أن تعتقد وكأن الجبال تحولت بكاملها إلى ذهب والنهضة حلت بالأمم..و كأن هناك عبادة سرية عالمية من أحد شعائرها أن تقوم بهذه الطقوس وإلا سيحل عليك العقاب والجزاء (الإهمال و عدم التفاعل الاجتماعي).

أعلم جيداً أن العرب بسبب الكبت الذي ينهشهم حولوا مواقع التواصل الاجتماعي إلى منابر سياسية واجتماعية وفنية وثقافية.. لأنهم خسروا حرية التعبير والرأي وبمعنى أدق لم تكن لهم من ذي قبل.. وللأسف لا يمتلكون ثقافة التجمعات المختلطة الحاملة للعديد من الأفكار والأشخاص المختلفة. وانعدام تلك الثقافة من شأنها أن تقوى شوكة أي نظام استبدادي، التجمعات العربية تكاد تنحصر موضوعاتها في السمر فقط حيث الغيبة والنميمة والحقد ومن ثم الجلوس على المقاهي بجوار المجرمين ومخبري الشرطة و لاشئ سوى ذلك.

نعم..أعلم جيداً أن لاشيء جديد فيما قلته بل ومكرر مثل أي شئ بالحياة لكننا أيضاً نكرر الأخطاء وبسخافة لم يعدها أحد من قبل و نضع العراقيل والمتاريس أمام كل تغيير.

اهتمامي وحبي للموسيقى قد يتفوق على الحياة في المضمار بعدة كيلومترات.. في الموسيقى تقريبا أستمع إلى أغلب الأنماط وأحب الأنواع المستقلة الغير تجارية حيث فنانون لا ينزعجوا من أن يتم تحميل فنهم مجاناً من على شبكة الإنترنت وهذا شئ أحبه ولا زلت مؤمنا أن الفن يحب أن يكون نابعاً من الفنان ذاته معبراً عن حياته وأفراحه وأحزانه بل وحتى أمراضه النفسية.. غير أن الموسيقى فن لا يلمس سوى الوجدان ويستطيع أي شخص كان في هذا الكوكب أن يستوعبها ويمكن لأي شخص أن يتعلم العزف على آلة ما ويستطيع أن يعبر عن ما يشعر به بدون تكلف وتصنع.

هناك الكثير من الأسئلة قد تظل حية إلى أن تشهد وفاة آخر إنسان على هذا الكوكب جراء الأزمة القلبية التي قد تصيبه من فرط سعادته بإعتباره الناجي الوحيد. إما من إحدى الكوارث النووية أو غزو من قبل الفضائيين أو حتى من وحش الإسباجيتي الطائر، لا أظن أن سبب الوفاة سيختلف عن عصرنا الحالي بالكثير ويكون له قيمة وقتها.. لكن مؤخراً أضيف إلى قائمة الأسئلة ميزانية تتر مسلسلات رمضان، لقد علمت أن ميزانية (تتر) أحد المسلسلات تعدت ثلاثمائة ألف جنيه وكل هذه التكلفة بينما لم يضع المطرب أو المطربة بعد صوته على هذا اللحن القادم من أحد الأبعاد الكونية البعيدة. وجدير بالذكر أيضاً أن الغراب المغرد الذي سيغني لم يأخذ أجرته بعد!!

حسناً.. لا يسعني سوى تذييل هذا الخبر بعلامة استفهام وإضافة هذا السؤال الذى لن تقنعني أي إجابة على إزاحته من القائمة السرمدية اللا نهائية للأسئلة وانظر إلى سقف غرفتي وأسهو عن سيجارتي حتى تصبح رماداً.
سؤال آخر وأعلم أني ثقيل اليوم.. إذا كنت تحب فتاة ما ولنقل من مصر فغالباً لن تكون فتاة من الريف الأوكراني هربت من الفقر والبطالة. تلك الفتاة لم تجد نفسها مطلوبة في ديار عرض الأزياء بميلانو لتجد نفسها في أحضان أحد المغنين تصور فيديو كليب وهو يتغزل بجمال مواصفات فتاة مصرية ذات عيون سوداء أو شعر اسود رأها يوماً في إحدى الحارات و لا ننسى.. قد يكون الحجاب منعه أن يراها على نحو جيد لكنه مازال يمتلك حس الخيال ويفكر ويتغزل بها على نحو جيد، بينما يراقص الفتاة الأوكرانية على إحدي شواطئ اليونان أو يتنزها سوياً عند أشهر المعالم الأوربية السياحية أو يركض وراءها في غابات أوروبا حيث الجليد يتساقط.. متناسياً أن المصريين لا يرون الجليد إلا في ثلاجتهم فقط وأن من إحدى منغصات العلاقات الحميمية في مصر هي درجات الحرارة العالية.. لماذا هذا الكم من الاستخفاف الغير طبيعي بالعقول ولماذا أيضاً هذا التقبل الذي يصل لحد التملق الشديد لكل ذلك؟؟!
في الآونة الأخيرة ظهرت فرق تحت السلم وأقول هذا ليس لأني أقلل من شأن الموسيقى المستقلة التي أعشقها وغالبا لا أحبذ سوى غيرها لكن اقولها دلالة على تجارية وسخافة هذه الفرق.. الموسيقى المستقلة هي موسيقى لا يتحكم بها رأس المال، صاحبة خصوصية واستقلالية عن الاتجاه الجماهيري السائد في الموسيقى وبعيدة كل البعد عن ماتتناوله الكتلة الجماهيرية الإعلامية من قضايا وأفكار شائعة. تستخدم أدوات محدودة و بسيطة لنشر موسيقاها حتى تحافظ على قوامها، هي قائمة بالأساس على الري بالفن ومن ثم نمو وتفتح أزهار الفن ولا شيء غير ذلك.. قد تتحول بعض هذه الموسيقى فيما بعد إلى موسيقى بديلة وقد تندمج في المجتمع بشكل تام مثلها مثل الباقي من الموسيقى مثلها مثل العديد من فرق البانك روك، حتى لا أطيل أو ادخل في تفاصيل كثيرة قد لا تلزم وتتعب القارئ حتى أوضح هذه المفاهيم بشكل تام وهذا قد لا يخدم الفكرة التي أتحدث بها كثيراً.. هنا تم إبتذال هذا المصطلح بملئ العين هنا في مصر قد ترى الفنان يدعي انه ينتمي لثقافة الموسيقى المستقلة وتفاجئ به في التلفاز يقفز فرحاً ويغني عن السعادة لأحد المشروبات حتى يحصل على بضع الأوراق الملونة.. قد تراه أسبوعياً على التلفاز أيضاً بإستضافة احد مقدمي البرامج التي تقوم في أساسها على أموال الإعلانات أيضاً.. لأنهم مثلهم مثل الجيل الماضي في الموسيقى، موسيقاهم تافهة لا تمرد لا غضب لا إبداع العديد منهم يشتكي من قلة المال والممولين وكأنهم مشروع علمي وليس فني وأيضاً هم لم يعرفوا هذه الثقافة بعد، لا شئ يفعلوه سوى التناقضات والسعي وراء المال.
” كانت سانتياجو دي تشيلي، مثل المدن الأمريكية اللاتينية الأخرى. تمتلك وجهاً متوهجاً. مقابل أقل من دولار واحد كانت فيالق العمال تلمع القناع.
في مجتمعات الطبقات العليا، كان البشر يعيشون كما يفعلون في ميامي، كما يعيشون في ميامي، الحياة تم تحويلها وفق تلك المدينة : ملابس بلاستيكية، طعام بلاستيكي، بشر بلاستيكيون، و الفيديوهات و الكومبيوترات دلائل على السعادة.
لكن كان هناك القليل من التشيليين، و الكثير من أولئك التشليين الزائفين، الإقتصاد يلعنهم، الشرطة تطاردهم و الثقافة تنكر وجودهم.
أصبح البعض شحاذين. هازئين من عمليات المنع، رتبوا الظهور تحت إشارات المرور الحمراء أو في أي مدخل. ثمة شحاذون من جميع الأحجام والألوان، كاملون ومشلولون، مخلصون وزائفون، البعض في يأس كامل وعلى حافة الجنون، البعض يعرضون وجوهاً ملوية وأيادياً مرتجفة تدربوا عليها بشكل جيد : محترفون مثيرون للإعجاب، فنانون تسول حقيقيون.
في عز الديكتاتورية العسكرية، كان أفضل الشحاذيين التشيليين شخصاً يثير شفقة طريدته بقوله :
((أنا إنسان.)) ”
تاريخ مدينة سانتياجو
المعانقات – إدوارد جاليانو