حسين علام يكتب : أمينة
صورة تعبيرية لمقال حسين علام

كعادتها كل صباح؛ خرجت أمينة من بيتها الريفي، متشحةً بالسواد، حاملةً طبق الإفطار، متوجهة إلى إحدى جاراتها اللائي اعتادت أن تشركهن في إفطارها بالتناوب؛ منتصرةً على شبح الوحدة الذي يكتنف أرجاء بيتها بعد أن مات بكريها منذ سنوات قبيل زفافه إثر حادث أليم، وتبعه أبوه كمداً، ثم انتقل الابن الآخر التاجر الثري للإقامة في المدينة، بينما غادرت البناتُ الخمس البيتَ واحدةً تلو الأخرى طوعاً لأحكام الزواج؛ ولم تعد تراهن سوي في المناسبات والأعياد، بل إنَّ أخويها المسئول الكبير والطبيب المشهور قد ضنَّا عليها بالزيارة، وتصدقا بالمحادثات الهاتفية القليلة.
أدركت العجوز التي ناهزت السبعين عاماً أنَّ عليها مسايرة سنَّة الحياة رغم قسوة قوانينها الحديثة بدلاً من الموت كمداً، فرأت في المواظبة على الصلوات وقراءة الأوردة اليومية والرضا بتقتير الأبناء والأهل في السؤال وتعويضهم بالجارات – رأت في كل أولئك أفضل أداء لسنة الحياة في ركعاتها الأخيرة، وخير استعداد ليوم الرحيل.

***

كانت زينب هي صاحبة الدور اليوم في مجالسة أمينة على الإفطار، وبعد ان فرغتا من طعامهما بمدخل البيت كالمعتاد حيث تحط أمينة طبقها – جلست الأخيرة تنتظر جارتها التي دخلت لإعداد الشاي؛ فأبصرت طفلها البدين يلهو بكرته، فنادته بالإسم الذي يُدَلل به: “تعالى سَلِّم عليَّا يا تمورة عشان أديك حاجة حلوة” فرد عليها من بعيد قائلاً: “إزيك يا غراب البين”؛ سقط ناظِرَاها من فورهما على عبائتها، وسألت الطفل:
– غراب إيه يا تامر؟
– بابا هوا اللي بيقول عليكي كدا.
لطمت كلمات الطفل قلبها.. تسمرت في مكانها للحظات حتى أدركت وضعها، فاستلمت الطبق وهبت مسرعةً إلى بيتها، وأغلقت بابه عليها، ونَضَّدَت الطبق، ودلفت داخل غرفة نومها، واستلقت على وسادتها، وأطلقت لعينيها الأعنة كي تسحَّا دموعهما. أخذت الأرملة الثكلى تسترجع شرط الذكريات، البيت الغَنَّاء بالبنات الخُرَّد، المعمور بالشباب اليافع، المكنون بالزوج الحنون – قد بات فسيح المبنى ضيق المعنى تعتصرها وحشته؛ ومع كل ذكرى جميلة تزداد حرقتها، ويعلو نحيبها، ويشتد انهمار دموعها. آه من نار تلك الذكريات.. آه من مدفأة أصبحت جحيماً.

***

مرت الأيام على أمينة وهي معتكفة في بيتها تصطلي عذاب الذكرى. أيام كثيرة لا تعلم عددها.. فما أهمية الزمن هنا؟! وما هي قيمته أصلاً؟ هل ثمة مواعيد؟ زيارات؟….. إلخ؟ لكن رحمة السماء قد وسعت المسكينة. أتاها المدد. الموت.. وهل الموت مددٌ؟ ولِمَ لا؟ أليس لكل عملة وجهان؟ لفظت أمينة أنفاسها الأخيرة بالمستشفى وهي تجري جراحة إزالة الزائدة التي باغتتها.

***

لملمت الشمس أشعتها وأذنت للمغيب، وسكبت الدجنة حبرها في الأفق، والتف الجميع حول جثمان أمينة.. ابن وشقيقان جاءوا لأخذ العزاء في السرادق الفاخر واستقبال الضيوف من ذوي الحيثيات ومن الصعاليك أيضاً.. بنات اتشحن بالسواد وانطلقن بالنعيق.. مشيعون اكتنفهم الصمت، حاملين عدداَ من الكشافات. انطلق الموكب الحزين يمخر عباب الظلام، تقوده أمينة في نعشها مسرعةً، فرحة باقتراب لمِّ الشمل ببكريها وزوجها، بزهرتها المقطوفة في ريعان ربيعها، وبسندها وشريك مشوارها.
وصل الموكب إلى المقابر، وأخذ اللحاد يواري أمينة الثرى، وانصرف الابن والشقيقان لاستقبال ضيوفهما، وطفق البنات يبكين ويصرخن ويعددن مناقب الفقيدة، ونسوا جميعاً إمدادها بالدعاء، رغم كونه حاجتها الوحيدة الآن..
أُغلِقَ باب المقبرة على الشمل الذي اكتمل، واستقبلها الواعظ خاطباً: “يا أمينة يا بنت أَمَةِ الله؛ ذهبت عنك الدنيا وزينتها”.