محمود حجازي يكتب : مكسور
مكسور - لمحمود حجازي

مكسور…محمود حجازي

الجميع يبكي ، ساكنون في انتظار الموت…تلك روحي أودعها في صندوق ، لا أعلم ماهيته…الحياة لم تعد تميزها الألوان،الروائح ، السماء ، النساء ، وحده صوت بكاء ، آت من بعيد.
أخفي الحزن تحت أضلعي ، أغلفه في حقيبة سوداء حتي لا يراه قلبي … أخرج مردوده في نفخات تعطر الروح بالنفحات ، أغمض عيني كي أذهب للحجرة المظلمة ، أسقط المعطف عني ، روحي العارية طليقة الآن ، تصول فتصدها الجدران ، لم يبق لها غير البكاء و العويل ، تتسأل..كيف صار الزمن هكذا ؟..و لماذا نبقي في هذا المكان؟..و ما هو طعم الحرمان ؟
أفتح عيني مرتديا المعطف ثانية..أراقب الدموع الهاربة من طرف أعيني أمام المرآه ، أصابعي تغدو صعودا و هبوطا علي فتحات الناي ، أضعه جنبا لأتنهد أنفاسي.

لي مسبحة ، تذكرني بحب الله وقت ما تخيم الدنيا بظلامها..أستهل من صفاته و إستغفاري لذاته العظيم بركة الصفاء..تنساب روحي في الضياء و تغتسل ، تسقط عنها الهموم و لكن يتبقي الدنس.
أجمع من المسحبة بركتها و من الناي هروبي ، لففت المسبحة علي الخزانة الثالثة من الناي،عقدتها جيدا كي لا تسقط،أستلمت الناي مسددا أصابعي في أماكنها المعهودة لكي أخرج نغماته ، الناي إمرأة..أفعي تسحرك بعيوانها السوداء تلك التي لا تراك لكنها دوما تشعر بوجودك و همك المنسدل من أنفاسك..بداية ، مقام الصبا،اتابع نغماته صعودا و هبوطا علي الحروف السبع التي تحكي كل الذكريات و الآهات،بين تقاسيمه ألاقي الأوجاع…
سقم أمي و عذابها علي أيدي السرطان…
صديقي الذي تلقي رصاصة من أجل الوطن فسقط كأوراق الخريف لا أحد يلقي لها بالا…
فتاة أحبها قلبي و تركتها من إملاق…

أتابع العزف و البكاء…القرار لا جواب له ، الروح لا مسكن لها من جسد لمعطف لصندوق.
تبكي الغرفة و متاعها حزنا علي روحي ، شجنا بأنين ناي ، غضبا علي المسبحة المعقودة التي سجلت أعتزالها من الذكر و تفرغت للبركة،تبكي و لا حيلة لها إلا عزلة أبدية ، يغطي جسدها الثري و تعطن أرضها…تاركة شرخ بالمرآه حتي تري نفسها مشوهة.
تمسح الغرفة دمواعها ، بابها لم يعد مغلق عليها ، ضغط والدي علي مقبض الباب حتي أشتكي ، ألحقه بضربات كتفيه حتي بكي ، قاومته الغرفة فإزدات بالعزف ، تجمع الأثاث خلف الباب لصدد الضربات و خلق العقبات،خافية روحي في طياتها…لم تصمد كثيرا ، وطئت قدم أبي الغرفة ، استحت من بكائها فلملمت دموعها و أجهشت بأنفاسها.

  • انتا ليك عين تعزف علي الزفت ده و احنا لسه دافنين أمك…هات البتاع ده

سحبه من يدي بعد خوار أزعج الحاضرين ، لم تنبثق مني أي حركة.
الضربة الأولي ، أعلي ركبته كانت من نصيب المسبحة ، هربت حباتها أثر هذا التعدي ، لازت بأركان الغرفة باكية،تخشي أن يفتك بها كما أنفرط عقدها فأظلتها الجدران بحمايتها ، قاومته أفعتي..حتي ألحقها بالثانية فتهشمت لنصفين.
خرج أبي و تركني…الغرفة تلفظني،الجدران ترفضني.. الناي المكسور لن يصلح للعزف ثانية…كان هدية أمي لي يوما ما ، صار الآن بقايا غضب أبي…المسبحة لن أبحث عن حباتها،لربما حبذت هي الفراق…الكل أعلن أنه يتوجب علي الرحيل.
الآن روحي حبيسة في جسدي يصارعها الحزن…فتصارعه

* تمت *

للتواصل مع الكاتب عبر تويتر : @MarooMo_MH