طريق الجنة يمر عبر كلية الهندسة … و طريق النار أيضا
كاتب المقال

أذكر أنني قرأت يوما لعز الدين شكري أن في كلية الهندسة يتعلم المرء أمرين … الشريعة أولهما و الهندسة ثانيهما … الشريعة مؤكدة و الهندسة أنت و حظك ..

شكري افترض أن الشريعة مؤكدة دلالة على النفوذ الواسع للتيارات الدينية بأشكالها المختلفة في كليات الهندسة … قيادات الدعوة السلفية في مصر مهندسون , قيادات الاخوان , الجماعات التكفيرية , الصوفيون , حتى خارج القطر المصري عندما أرادت القاعدة أن تتخذ زعيما تاريخيا كان المهندس أسامة بن لادن

في داخل الأروقة الأمنية المهندس متهم الى أن يثبت العكس , اذا استوقفك أحدهم و علم أنك مهندس أو تدرس الهندسة أو سبق و أن درستها يوما فانك ستصير مشتبها به لا ريب ..

اذا ما خرجت قليلا خارج الدائرة الهندسية تجد من لم يأت من تلك القيادات من كليات الهندسة آت من كليات الطب … ان لم تكن قياديا اسلاميا مهندسا فأنت بلا ريب قياديا اسلاميا طبيبا .. الطبيب المصري أيمن الظواهري يقود القاعدة الآن خلفا لبن لادن الذي كان مهندسا … مكتب التنسيق يحكم القاعدة بل و يحكم نسق التيارات الدينية كلها …

السؤال المهم هنا .. اذا كان العالم يفترض أنك كي تكون فقيها يجب أن تدرس الفقه و كي تكون محدثا يجب أن تدرس علم الحديث فلماذا نفترض أنه يجب أن تدرس علم الهندسة ؟
هل الهندسة بذاتها علم لا يوصل صاحبه الى الجنة فنحتاج الى البحث عن سبيل الى الجنة بعيدا عنها ؟ و هل الطب مقيت بالدرجة ذاتها ؟ و اذا كان المهندسون فقهاء و محدثين و مفسرين قد أخذوا أماكنهم من الجنة فأين حظ المحاسبين و المعلمين و النقاشين و هؤلاء الذين قصر بهم مجموعهم في الثانوية العامة ؟

الله ليس ظالما و لا طبقيا سبحانه لا يظلم عنده أحد و دخول الجنة ليس مرتبطا بمكتب التنسيق …

الآلاف يتخرجون كل عام في كليات الهندسة و الطب و العلوم و لا علم بمصر و لا طب و لا هندسة … المعادلة اذا غير متزنة … فاذا كنت مهندسا فالطبيعي اذا أن يكون لديك انتاج هندسي يضيف الى الكوكب شيئا … السؤال المحير هنا هو أين الناتج العام لألوف من المهندسين المصريين ؟ و أي ثقب أسود يبتلع اسهامات الآلاف من طلبة كليات العلوم كل سنة ؟ و بين كل هؤلاء الأطباء لماذا لدينا ملايين المرضى ؟

ان الذين يتقربون الى الله بتربية اللحى و تقصير الملابس و يتهادون فيم بينهم بسبح الاستغفار عليهم أولا أن يستغفروا لنا و لهم ألف مرة ذنبا يصيب الأمة كلها منذ مئات السنين … ان الذين يقتطعون من فقه ابن تيمية ما يحلو لهم ثم يتركوا منه ما يعييهم الذين يقتلون الناس باسم ابن تيمية , نسوا أن ابن تيمية نفسه يقول : إذا برع غير المسلمين فى علم من العلوم أو فن من الفنون أو فرع من الفروع، ولم يكن فى المسلمين نظيره فقد أثم المسلمون … و الأمر هنا فرض كفاية يأثم المسلمون جميعا بتركه … فما بال هؤلاء يسارعون الى قشور الدين و يتركون فرض الله .. و فرض الله أولى و أحق …

ان حالة الانسحاق الحضاري التي نعيشها جميعا بشكل يجعلنا عالة على العالم … مردها في الأساس الى تلك الدائرة التي لا تريد أن تنكسر و التي تفترض في كليات القمة المزعومة غاية في ذاتها و ليست وسيلة الى غاية أسمى هي العلم .. ان استمرار تلك الدائرة التي تنتهي بسلسلة من الوظائف الروتينية فزوجة فأطفال نكرر معهم نفس جرائمنا فنضعهم في دورة الموت التي ندور فيها كأننا الثيران ندير ساقية الجهل فنغرق بلادنا بأيدينا أكثر كلما زاد مجهودنا في الدوران ..

أيها السيدات و السادة ان الذي خلقكم لم يخلقكم عبثا و لم يترككم سدى .. و هو سبحانه أودع في كل منكم من الموهبة و القدرة على الاضافة لهذا العالم شيئا من فيوض رحمته و جليل حكمته … أما الاستمرار في تمثيل دور المهندس و الطبيب و العالم الفذ بغير علم حقيقي و بغير قدرة حقيقية على منافسة العالم من حولنا أو جهد حقيقي في التعلم ارتضاء بالدائرة المقيتة التي يكرهها الله و رسوله .. فهو انتحار نفس و قتل وطن

أيها السادة توقفوا عن الكذب … الله لا يحب الكذابين … اذا كنت تستطيع أن تغن فغن … اذا كانت موهبتك في الحياة أن تكتب فاملأ الدنيا كتابة و ضجيجا … ابحثوا عن الجنة بين أيديكم فيم أعطاه الله لكم … ابحثوا عن الجنة التي تكمن داخل أرواحكم قبل أن تبحثوا عنها بالخارج … افعلوا ما تحبون و كونوا فيه الأفضل … لأن الله يريد منكم ذلك ..

ايها السادة .. اتقوا الله و كونوا مع الصادقين … ان كان طريق جنتك يمر عبر كلية الهندسة فسر فيه حتى النهاية أو مت على الطريق .. و ان كان الدرب منقطع .. لا يصل … فجرب دروبا اخرى … فالله لم يجعل لجنته طريقا واحدا …

أما عن نفسي لماذا أستمر اذا في هذا العبث طالما الله يدعونا دوما لكسر الضجر و العبث و البحث عن المعاني فأصدقكم القول أني أحتاج تلك الشهادة لأسباب اجتماعية بحتة لا علاقة لها بالعلم , لا علاقة لها بالحق و الخير و الجمال … فلنحصل عليها ثم لنجعلها من بعد ذلك مراكبا من ورق ندخل بها البهجة في قلوب الصغار … ربما حين يرون حبرها يذوب في المياه النقية فيلوثها .. يعرفون لأرواحهم النقية قدرها فلا يلوثونها أبدا … ربما الصغار يستطيعون في الغد حفظ نقاء نفوسهم أكثر منا اليوم …

و ان كان جيلنا قد قدر عليه أن يعيش ممزقا بين واجبه في مقاومة ذنب الأمة التي تعيش به منذ قرون من التخلف عن ركب الحضارة و بين وطأة التقاليد الاجتماعية التي لا نستطيع كسرها بالكلية فان ما لا يدرك كله لا يترك كله …

أن تمسك مسدسا فتطلق النار على الجميع و أنت تهتف باسم الله أسهل ألف مرة من ان تتعلم الفيزياء و الكيمياء و الكم و النسبية … أن تطيل ذقنك حتى تصل الى قدمك أسهل ألف مرة من أن تقف متحديا العالم كله من أجل ما تعتقد أن الله وهبه اياك فلا تريد أن تميته احتراما لجلال المعطي حتى لو خالف ذلك دائرة الموت المقدسة في بلادك … اطلاق النار سهل … اطالة اللحى سهل … الحصول على آلاف الشهادات من الحكومة سهل … و لكن هل تعتقدون الله تنطلي عليه الحيل ؟ سبحانه منزه متعالي فوق كل هذا الكذب …

أيها السيدات و السادة … أيها الواقفون على حافة المذبحة … طريق الجنة يمر عبر كلية الهندسة … و طريق النار أيضا

للتواصل مع الكاتب عبر فيس بوك : حسين السيد أبو حسين